محمد أبو زهرة

3917

زهرة التفاسير

ولقد روى عن علي كرم اللّه وجهه في تفسير هذا التشبيه : كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبدا فكيف يبلغ فاه . وفسره مجاهد - تلميذ ابن عباس - بأنه يبسط يده إلى الماء في نهر أو عند غدير يدعوه إليه فلا يأتيه . وأغرب بعض المفسرين فقال : إن المثل هو تشبيه حالهم في دعوتهم ما لا يضر ولا ينفع بمن يرى خياله في الماء يبسط يده إلى الماء ليبلغ فاه ، وما هو ببالغه . وكلها يفيد معنى محققا في عبدة الأوثان ، وهو أنهم يتوهمون القدرة فيما لا قدرة عنده على شئ ، وهو مستحيل أن ينفع ، وأن يحقق مبتغى . وهنا إشارات بيانية : أولاها : قوله تعالى : لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ فقد أعاد الضمير على الأنداد بضمير العقلاء ، وذلك على زعم المشركين في وصفهم إياها في صفوف العقلاء المدركين ، وليست إلا أحجارا ، وقال تعالى : لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ الباء لاستغراق النفي ، وتنكير ( شئ ) لبيان عموم النفي ، أي لا يستجيبون بأي شئ من الاستجابة . الثانية : في قوله تعالى : كَباسِطِ كَفَّيْهِ هنا مضاف محذوف ، أي إلا كاستجابة باسط كفيه ، والاستجابة مستحيلة ، فتكون استجابة أندادهم مستحيلة . الثالثة : في قوله تعالى : لِيَبْلُغَ فاهُ فيه بيان وجه الاستحالة ؛ لأنه يمكن أن يكون بلل الماء ، ولكن لا يمكن أن يرفع إلى الفم ، فكأنه يرى الماء والعطش يقتله ، وبمحاولته لا ينال شيئا ، فتعبه في هباء ، ومن غير جدوى ، ولقد قال تعالى : وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ . ومعناها : ما دعاء المشركين الذين يشركون الأنداد مع دعائهم لها بالعبادة ، والالتجاء في الحاجة إلا في ضياع إجابة له ، فضراعتهم للأنداد ضراعة لأوهام ، إذ