محمد أبو زهرة

3916

زهرة التفاسير

بعد أن بين سبحانه علمه الذي لا يفرق بين جهر وإسرار ، وإخفاء وإظهار وقدرته الباهرة ويرونها عيانا في آياته في البرق والرعد والصواعق : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ الضمير في ( له ) يعود إلى اللّه جل جلاله ، وتقديم ( له ) على ما بعدها يدل على الاختصاص أي له وحده لا لغيره دعوة الحق . و دَعْوَةُ إما أن تفسرها بمعنى الدعاء وهو العبادة ، أي له وحده العبادة الحقة ، والإضافة بيانية ، أي أن المضاف إليه فيه بيان للمضاف ، أي الدعوة التي هي الحق ، والحق ضد الباطل أي العبادة الثابتة الصادقة التي هي الحق ، وغيرها الباطل . وإما أن يفسرها بمعنى الطلب ، والالتجاء ، أي لا يلجأ إلا إليه ، ولا يجيب غيره دعوة اللاجئين المستغيثين ، ولا مانع من إرادة المعنيين ؛ لأنه لا تضاد بينهما ، ولا تضارب ، فيمكن الجمع بينهما ، ويكون المعنى العبادة هي الحق ، ولا التجاء بحق إلا له سبحانه ، وقد بين سبحانه وتعالى بعد ذلك بطلان دعوة غيره ، فقال تعالى : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ . كثر في الكلام العربي تشبيه الذي لا يقبض على شئ ثابت بالقابض على الماء ؛ لأنه لا يستقر في يده ؛ إذ لا يمكن القبض عليه ، وجاء القرآن الكريم بأبلغ مما عند العرب في هذا المثل الرائع في لفظه ومعناه ، فشبه حال من يدعو غير اللّه بحال من يبسط يده للماء ليبلغ فاه ، وما هو ببالغه ، أي ليرتفع إلى فمه ، وما هو من شأنه أن يبلغه ؛ ولذا كان النفي باسم الفاعل ، فنفى عن الماء ذلك الوصف ، ونفى الوصف أبلغ من نفى الفعل ، والتشبيه تشبيه تمثيلى ، فيه تشبيه حال بحال ، ففيه حال من يدعو ما لا يضر ولا ينفع ولا يجيب ، ولا يدرك معنى الطلب أو العبادة ، بحال العطشان الذي أمضه العطش ، فيطلب من الماء أن يرتفع إلى فمه إذا بسط يده ، ومد أنامله إليه على قرب أو بعد ، فإن الماء لا يجئ إليه ، ولا يستطيع أن يتناول منه بهذه الطريقة ما ينقع غلته ويطفئ ظمأه .