محمد أبو زهرة
3911
زهرة التفاسير
وإن الوقاية ليست في حفظ الملائكة فقط ، بل إن تغيير الحال من ظلم إلى عدل ، والنفوس من انحراف إلى استقامة ، هو الحماية الكبرى ؛ ولذا قال تعالى عقب حفظ اللّه بالملائكة عند نزول قدره : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . والمعنى الجملي أن اللّه تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا أنفسهم ، فإن كانوا في خير يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان لا يغير حالهم إلى ضراء وبأساء إلا إذا غيروا أنفسهم من خير إلى شر وانحراف ، ولا يغير اللّه حال قوم أصابهم الضر والشر والخذلان والهزيمة أمام أعدائهم ، إلا إذا غيروا حالهم من فساد إلى صلاح ، ومن تخاذل نفس وتفرق كيانى إلا إذا غيروا أنفسهم واجتمعوا على الحق ، وتركوا التنابز والتدابر ، وقد أكد سبحانه وتعالى هذا المعنى بالجملة الاسمية ، وبتصدير الكلام بلفظ الجلالة اسم اللّه العلى الأعلى القادر على كل شئ وبالغاية ( حتى ) ، فجعل تغير الحال الأليمة إلى حال صالحة راضية منتفية إلا إذا غيروا ما بأنفسهم ، أي إنهم يستمرون في الآلام تنزل بهم إلى أن يغيروا أنفسهم . وما أحرانا نحن المسلمين بالاعتبار بهذه الآية ، لقد كنا أعزّة بعزة اللّه تعالى حتى تفرقنا ، وأضعنا أحكام القرآن بيننا ، حتى صارت غريبة تستغرب إذا ذكرت ، وضاعت لغتنا ، واستنكرت حال من يستمسك بها ، وتقاتل المسلمون بعضهم ببعض ، ووالوا الكفار واستنصروا بهم على بعض وصرنا وراء كل الأمم ، فهل لنا أن نغير ما بأنفسنا حتى يغير اللّه حالنا . ولكن أراد بنا هذا التخاذل ، وقد قال : وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ . ( السوء ) ما يسوء الأمم من الهلاك أو الهزيمة ، أو الخسران ، أو الحرمان ، أو الفساد والدمار ، إذا أراد اللّه تعالى ذلك وأشباهه ، مما تضيع به الأمم وتذهب قوتها من أعمالها ، بأن ارتكبوا الشر واستعذبوا فعله ، إذا أراد اللّه ذلك بسبب ما في نفوسهم وما يرتكبون فإنه نتيجة حتمية لعملهم ، وأراده اللّه تعالى فيهم بسبب سوء ما يصنعون .