محمد أبو زهرة

3896

زهرة التفاسير

إِنَّ فِي ذلِكَ الإشارة إلى المذكور من : مد الأرض ، ووجود أوتادها ، وتحدر الأنهار منها ، ووجود الأزواج المختلفة ( لآيات ) أي لدلالات بينات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لجماعة يفكرون ويتفاهمون على التفكير ويتدبرون المعاني ، فإنها لو كانت بالتعليل المجرد ما تنوعت هذا التنويع ، وما تقابلت هذا التقابل فيما بينها ، بل كانت صنفا واحدا ولم تكن أصنافا ، وكانت لونا واحدا ، ولم تكن ألوانا ، واللّه بكل شئ عليم . وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 ) . إن القضية بين الفلاسفة الطبيعيين ، والدين الإسلامي في أصل الخلق أن الطبيعيين يقولون - باطلا - : إن الأشياء كانت من العقل الأول كما يكون المعلول من علته . وإن ذلك يقتضى جدلا وحدة المخلوقات جنسا وشكلا وحقيقة ، ولكنها متغايرة في كل شئ ، متغايرة في طبعها وشكلها وطعومها وألوانها مما يدل على أن لها خالق مدبر فعال لما يريد ، مبدع على غير مثال ولا محاذاة . وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ بعضها طيب تخرج نباتها ، وبعضها سبخة لا تخرج زرعا ، وبعضها صخرى ، وبعضها رملى ، وبعضها صالح للزرع دون الغراس ، وبعضها صالح لها . وإنه لا يخصص هذه لهذه الصفة ، وللأخرى غيرها إلا للطيف الخبير مبدع السماوات والأرض ، فدل هذا على وجود المنشئ المدبر لهذا الكون ، الذي يغير ويبدل بإرادة مبدعة . وفوق هذا ، هذه الأرض المتدانية المتقاربة تسقى بماء واحد ، ويختلف بعضها عن بعض في الأكل مع أن التربة تكون أحيانا واحدة ، وتسقى بماء واحد ، وتبذر بها بذور واحدة ورعايتها واحدة ، ومع ذلك تأتى إحداها بالخير الوفير وإحداها لا يكون فيها الخير الكثير ، فدل هذا على أن هناك مريدا يعطى من يشاء ويمنع من يشاء ، وكلّ عنده بمقدار ، وكلّ بوقت معلوم ، ولحكم يعلمها اللطيف الخبير .