محمد أبو زهرة
3895
زهرة التفاسير
أي جعل سبحانه وتعالى صنفين متقابلين كالحلو والحامض ، والأسود والأبيض ، وجعل منها زوجين أي الذكر والأنثى ، فمنه الذكر الذي يلقح بما تحمله من البذر الرياح اللواقح ، والأنثى التي تحمل بذر الذكر ، كما تحمل أنثى الحيوان بذر الذكر في رحمها . ومن هذا يتبين أن كلمة زوجين تتضمن معنى التقابل الذي يعم التقابل بين الذكر والأنثى ، والتقابل في الألوان ، والتقابل في الطعم ، والتقابل في الصغر والكبر ، وهذا كله في أرض واحدة ، وكان مقتضى اتحاد الأرض واتحاد الماء أن تكون شيئا واحدا في لونه أو طعمه ، أو ذكورته أو أنوثته ، أو صغره أو كبره ، ولكن تعددت وتخالفت ، فدل هذا على وحدة الصانع الحكيم العليم المريد الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى . ثم بين سبحانه بعض العلاقة بين السماء والأرض ، وهي الليل والنهار ، فهما من دوران الأرض حول الشمس ، وكل يدور في مداره ، فبدوران الأرض يكون الليل والنهار ، وبدوران الشمس تكون الفصول الأربعة . ولقد قال تعالى : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ بسكون ( الغين ) وهناك قراءة بفتح الغين وتشديد الشين من التغشية ، وكلاهما بمعنى اللباس الذي يغشى الجسم ، وفي هذا الكلام استعارة تبعية وأصلية ، فأما الأصلية : فهي تشبيه الظلمة بالثوب الأسود ، والضوء بالجسم الأبيض ، وتبع ذلك أن شبه النهار بأنه يغشى الليل . وإن هذا من اتصال الشمس بالأرض ، أي اتصال الأرض بالسماء . هذه آيات اللّه تعالى ، وبيناته ، وخلقه ، وتكوينه ، وهي تدل على أنه فعل فاعل مختار لما يريد ، وأن الأشياء لا تنشأ عنه سبحانه نشوء المعلول عن علته ، كما يقول الفلاسفة ، ويسميهم الناس حكماء وليسوا كذلك ؛ ولذا قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .