محمد أبو زهرة
3894
زهرة التفاسير
وكان رمزا لمن استمد نوره منها ، وهو من أكبر أتباعها . أنزل آياته إلى الأرض وهي قريبة من الأنظار غير بعيدة عنها ، وفيها يمرحون ، ومن خيراتها يتخذون نماءهم ؛ ولذا قال : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ، أي بسطها طولا وعرضا بحيث يسهل افتراشها أو الانتقال في أجزائها شرقا وغربا ، وشمالا وجنوبا وليس ذلك دليلا على أنها غير كروية ، بل كونها كروية ثبت من الليل والنهار ، ومن أدلة عقلية كثيرة وكرويتها لا تنافى مدها ، وجعلها مفترشا لابن آدم ، وذلك لكبرها وامتداد أطرافها . ثم أخذ يبين سبحانه ما جعل فيها ، فقال تعالى : وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أي جعل فيها جبالا كالأوتاد لها ، كما قال تعالى : وَالْجِبالَ أَوْتاداً ( 7 ) [ النبأ ] ورواسي جمع راس ، وقال البيضاوي وغيره : إنها جمع راسية ، وجاءت التاء لأنها وصف لأجبل . ونحن نرى أن ذلك تكلف لا داعى إليه ؛ لأنها جمع ( راس ) . وهو وصف لما لا يفعل وفواعل تجمع ما تكون وصفا لما لا يفعل ، و ( راس ) من رسا إذا ثبت ، ف رَواسِيَ معناها ثوابت مستقرة كأنها أثقال تزن الأرض ، وعطف على الرواسي الأنهار وَأَنْهاراً للتقابل بينهما ؛ لأن الجبال أحجار أو نحوها ، والأنهار ماء سهل فهما متقابلات في الجملة ؛ ولأن أودية الماء تكون بجوار الجبال وتتخذ منها ، أو تتكون مياه الأنهار ما ينحدر من الجبال ، أو تنزل الأمطار على الجبال ، ثم تنحدر حتى تجرى في الأنهار ، كما ترى في نهر النيل ، إذ إنه تكون من البحيرات التي ترفدها بمائها ثم تنحدر المياه من جبال الحبشة ، فيكون فيضانه بخيراته التي أفاض اللّه بها على عباده ، فأوجد الخصب في وادى النيل ، وأخصب مصر من وقت أن جرى فيها . وإنه من وراء الأنهار يكون إنبات النبات ، وإثمار الأشجار ، فإن هذا كله يكون من الماء الذي جعل اللّه تعالى منه كل شئ حي ، وكذا قال سبحانه وتعالى بعد الأنهار وجريانها وتحدرها من الجبال : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ ،