محمد أبو زهرة
3878
زهرة التفاسير
المعاني قال : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا أي كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم عنهم بأنهم ينصرون ، والمعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من اللّه ، قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القنوط ، وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا ، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب . وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما ، وظنوا حين ضعفوا أو غلبوا أنهم قد أخلفوا ما وعدهم اللّه من النصر . وقال : كانوا بشرا ، وتلا قوله تعالى : . . . وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ . . . ( 214 ) [ البقرة ] ، فإن صح هذا عن ابن عباس فقد أراد بالظن ما يخطر بالبال ويهجس في القلب من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشر ، وأما الظن وهو ترجيح أحد الجائزين على الآخر فغير جائز على رجل من المسلمين ، فما بال رسل اللّه الذين هم أعرف الناس بربهم ، وإنه متعال عن خلف الميعاد ، منزه عن كل قبح ، وقيل : وظن المرسل إليهم بأنهم كذبوا من جهة الرسل ، أي كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم . وإنه بعد هذا التحليل نقول : إن أم المؤمنين عائشة ردت قول ابن عباس رضى اللّه عنهما وقالت : إن الرسل لا يظنون باللّه خلف الوعد . وخلاصة القول أن نقول : إن معنى وظنوا أنهم قد كذبوا ، على التخفيف والبناء للمجهول أن يظنوا أنه ألقى في نفوس المرسلين إليهم أنهم كذبوا في إيقاع العذاب بهم ، وإن ذلك النطق نوع من هواجس الفكر البشرى ، وهي تتلاقى مع قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) [ البقرة ] . وقوله تعالى : جاءَهُمْ نَصْرُنا ، أي بغتة من حيث لا يحتسبون ، فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ ، وهم الذين استقاموا على الطريقة واتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ، وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ الذين اجتمعوا على الإجرام واتفقوا عليه ، حتى كانوا قوما من شأنهم الإجرام واجتمعوا عليه .