محمد أبو زهرة

3408

زهرة التفاسير

فإن المقابلة تقتضى التغاير بين القاعدين الذين لم يصدقوا اللّه ورسوله وكذّبوا ، وبين المعذرين ، ولكن المقابلة لا تكون إلا إذا كان اعتذار الأولين حقا وصدقا . وقراءة « المعذرون » بالتخفيف من الإعذار ، وهو إبداء العذر الذي يكون مظنة القبول . وإننا نجد أن الآية من قراءاتها المختلفة تفيد إبداء العذر ، وإن المقابلة بين القاعدين الذين كذبوا اللّه ورسوله ، والمعتذرين تفيد أن العذر مقبول اقتضى الأمر لهم . وقد جاء بذلك التفسير المأثور ، فقد روى عن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما أنه قال في المعذرين : هم الذين تخلفوا لعذر فأذن لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وروى عنه غير ذلك ، واللّه أعلم ، وقيل إنها نزلت في عامر بن الطفيل ورهطه ، فإن رهطه قالوا عندما دعاهم صلى اللّه عليه وسلم إلى الغزو قالوا : لو غزونا معك أغارت أعراب طيئ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا ، فعذرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وقوله تعالى : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ يفيد أولا أن الذين جاءوا هم المعذرون ولم يذكر الذين جاءوا مجاهدين ؛ لأن منهم من جاء مجاهدا ، وخصوصا أولئك الذين كانوا مع الرومان في مؤتة ، وتخلفوا عنهم في تبوك وخذلوهم ، ولكن ذكر المعتذرين فقط ؛ لأن الكلام في المستأذنين في التخلف بأعذار غير صادقة وهم المنافقون ، فناسب ذلك ذكر المعتذرين من الأعراب . وتفيد ثانيا أنهم جاءوا للاعتذار وليؤذن لهم ، ولو كانوا يعتذرون كذبا ما جاءوا بل قعدوا كما قعد غيرهم ، وقال تعالى : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي قعد وتوانى الذين كذبوا اللّه ورسوله ، وكذبوا بالتخفيف تتضمن معنى التكذيب للّه ولرسوله ، ولآياته البينات ، ومعنى

--> ( 1 ) ذكره القرطبي : الجامع لأحكام القرآن - ج 8 ، ص 224 . عن ابن عباس رضى اللّه عنهما .