محمد أبو زهرة
3867
زهرة التفاسير
وإن أردنا الناس جميعا عربا وعجما ، فإن الحقائق الواقعة أن أكثر الناس لا يؤمنون ، فالنصارى المثلثون والبوذيون غير الموحدين ، والبراهمة الكافرون ، أضعاف المسلمين ، فالآية صادقة . ونحن نرى أن الناس هم مشركو مكة ، لقوله تعالى : وَلَوْ حَرَصْتَ فإن هذا يدل على أن الناس هم الذين كان النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم يعاصرهم ، ويرجو إيمانهم ، ويحرص عليه ، حتى قال اللّه تعالى : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . . . ( 56 ) [ القصص ] . وقوله تعالى : وَلَوْ حَرَصْتَ تدل على رغبة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، حتى قال اللّه تعالى : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء ] . وقوله بِمُؤْمِنِينَ الباء لتأكيد النفي ، وقد نفى اللّه سبحانه وتعالى عنهم وصف الإيمان الذي يوجب عليهم الخضوع والتسليم ؛ وذلك لأن النفوس قسمان نفس تؤمن بالحق وتذعن له إذا جاءها دليله ، وهي التي خلصت من أدران الفساد ، ومطامع الشيطان ، وقليل ما هم ، ونفس درّنت بالفساد ، والعناد ، وجمحت بها الأهواء والشهوات ، فتحكم فيها الشيطان ، وهذه لا تؤمن ، ولا يقنعها إلا مقامع من حديد ، والحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ، وهؤلاء تكون حربهم لتمكين غيرهم من حرية الرأي ثم الإيمان ، كأمثال أبى لهب وأبى جهل ، والوليد بن المغيرة ، وغيرهم من لهاميم « 1 » قريش الذين كانوا يؤذون المؤمنين ، ويفتنونهم عن دينهم الذي ارتضوا ، ويسخرون منهم ، سخر اللّه منهم . وإن هذه الدعوة إلى اللّه التي يقوم بها محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم هي تبليغ من اللّه لا يريد بها ملكا ، ولا سلطانا ، ولا رئاسة ، ولا مالا ، ولا أي أجر من الأجور التي اعتاد الناس أخذها في دعاياتهم ، ولذا قال تعالى :
--> ( 1 ) واللهموم : الجواد من الناس والخيل ، واللهام : الجيش الكثير ، كأنه يلتهم كل شئ . الصحاح للجوهري ( لهم ) .