محمد أبو زهرة

3866

زهرة التفاسير

وإذا كانت غيبا بعيدا عنك وعن العرب فهو وحى من اللّه نُوحِيهِ إِلَيْكَ ، وقد أكد سبحانه أنه غيب عليه بقوله تعالى : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ وهذا فيه أمران : فيه استدلال على أنه بوحي من اللّه تعالى ، وفيه تصوير لحالهم ، وهم يمكرون ليغتصبوا أخاهم من أبيهم ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ، أي ما كنت عندهم حتى تعلم حالهم إذ تكون مختلطا بهم متعرفا أمرهم ، إِذْ أَجْمَعُوا ، أي إذا عزموا أمرهم على رميه في غيابة الجب ، ويقال : أجمع أمره ، إذا اعتزم الأمر جازما من غير فكاك ، وهم يدبرون بمكر سيئ على أخيهم ، وعلى أبيهم . هذا أمر فيه عبرة ، وفيه بيان أن هذا القرآن ليس من عند محمد صلى اللّه تعالى وسلم ، بل هو من عند اللّه علام الغيوب وكان عليهم أن يصدقوا به ، ولكن لا يرجى تصديقهم ، ولكن يرجى الغلب عليهم ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة اللّه هي العليا ، ولذا قال تعالى : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) . ( الواو ) واصلة هذه الجملة بسابقتها ، وهي تشير إلى أنه مع كثرة الأدلة التي توجب الإيمان وتضافرها فإن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين ، وما المراد بالناس ، أهم كل من يشملهم اسم الناس من عرب وعجم ، وبيض وسود ، وصفر وحمر ؟ أم المراد أهل مكة ، ومن يشبههم من المشركين . وعلى أن المراد بالناس أهل مكة ، وما أكثر الناس ولو حرصت على إيمانهم بمؤمنين لك ومسلمين بهذه الأدلة ، إلى حين ، حتى تصير كلمة اللّه هي العليا ، فإنه بعد مكة صار أكثر الناس مؤمنين ، وكان منهم أبطال الجهاد والإمرة في الجيوش ، فكان منهم أمثال خالد بن الوليد ، وعكرمة بن أبي جهل ، فيكون النفي ، وإن كان ظاهره العموم فإنه مقيد بالزمان ، فإن شمل عموم المكان لا يشمل عموم الأزمان .