محمد أبو زهرة
3853
زهرة التفاسير
همه ، وهو من علم اللّه تعالى ، لا من علم أحد ، يعلمه بالإلهام أولا ، وبرجائه في اللّه ثانيا ، وبرؤيا يوسف الصادقة ثالثا ، ففيها أنه رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا له ساجدين ، وتأويل الرؤيا أن يكون في ظل يوسف ، وهو في عز مكين ، وإن ذلك واقع لا محالة . وقد بنى على هذا الأمل ، وذلك الرجاء أن كلفهم بالبحث عن يوسف وأخيه ، فقال كما حكى اللّه تعالى : يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) ناداهم بنداء الأبوة الكريمة العاطفة ، طالبا منهم أن يذهبوا في الأرض متعرفين أخبار أخويهم يوسف وأخيه ، والذهاب إما في بقاع الأرض باحثين ، وإما إلى أرض مصر ، والظاهر الثاني لأن شقيق يوسف كان في مصر بلا نزاع ، فالمعنى اذهبوا إلى أرض مصر فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ، والتحسس التعرف بالحواس الظاهرة والباطنة ، أي فتعرفوا الأمور عن يوسف وتتبعوا آثارهما وأخبارهما ، ولا تقنطوا من رحمة اللّه وفرجه ، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ، أي أنه لا يقنط من رحمة اللّه وفرجه إلا القوم الكافرون الذين إذا أصابتهم سراء طغوا في البلاد ، وأكثروا فيها الفساد ، وإذا أصابتهم ضراء ، كما قال تعالى : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ ( 9 ) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( 10 ) [ هود ] فرجاء نبي اللّه يعقوب في لقاء يوسف لم يذهب أبدا . جمع الشمل قال اللّه تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 88 إلى 93 ] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( 88 ) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ( 89 ) قالُوا أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 90 ) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ( 91 ) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 92 ) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ( 93 )