محمد أبو زهرة

3852

زهرة التفاسير

ولذا قال تعالى : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ أي طوى نفسه على آلام مستمرة من أولاده الذين كادوا لأخويهم ، ومن الحوادث التي باعدت بينه وبين أحبابه ، وكظم الغيظ في ذاته ممض ، وملق بالبؤس في نفسه ، لولا ما امتلأ قلبه بالإيمان ، ولولا الرجاء الذي يرجوه ، والأمل الذي عاش عليه ، والكظم أصله كظم البعير إذا ردها من فرقه . أجابه أولاده في ذكر آلامه المستمرة تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ كانت الإجابة غير مخففة لآلامه ، بل كانت مؤججة لها ، كانت إجابة من لا يهتم بالأمر في ذاته ، والحزين يحتاج إلى من يشاركه في الحزن ، لا إلى من يلومه على حزنه ، ويل للشجى من الخلي ، والحرض هو المريض الذي أشرف على الهلاك أو أذابه الهم والمرض . والمعنى أنهم يؤكدون بالقسم أنه لا يزال يذكر يوسف حتى يؤدى به الأمر أن يكون في مرض دائم مستمر يذيب نفسه ، وينته بالهلاك لا محالة ، و أَوْ هنا بمعنى الواو . قال لأولئك الذين يلومونه على حزنه ، وهم سببه ، ولا يحسون باهتمام لآلامه ، بأنه لا يشكو حزنه إليهم إنما يشكو حزنه إلى اللّه قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) . البث الهم العارض الذي لا يمكنني الصبر عليه ، وينتشر في كل نفسي ، ويسدّ علىّ أسباب السرور ، و ( الحزن ) ما يكون في النفس من الآلام الدفينة ، وقد كان حزنه على يوسف قديما ، وبثوا إليه همّا آخر هو في ولديه شقيق يوسف وكبيرهم ، و ( إنما ) من أدوات الحصر ، أي أنه لا يشكو همومه العارضة ، وأحزانه الدفينة إليكم ، بل يشكوها إلى اللّه وحده . وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ، هذه الجملة تحوى في نفسه كل الرجاء الذي يرجوه والأمل الذي يأمله ، وفيه دلالة على أنه يعلم أن اللّه كاشف كربه ، مزيل