محمد أبو زهرة

3845

زهرة التفاسير

والاغتصاب وأشباهها من الفساد في الأرض ، وما كانوا ليفعلوه ، ومن حول يوسف يعلمون ذلك علم اليقين . وثانيا بأن السرقة لا تليق بهم ، وليست من شأنهم ، ولذا قالوا : وَما كُنَّا سارِقِينَ ، أي ما كان شأننا ولا من خصالنا أن نتصف بوصف السرقة . وقد أكدوا نفى التهمة بالقسم ، وباللام ، وبأن ذلك لم يكن مقصدهم ولا غايتهم . لم يقبل من كان يتهمونهم ذلك النفي المجرد ، ولا أن يكتفوا بهذا الاتهام المجرد ، بل أردفوا الأمر بالتحري قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ، أومئوا إليهم بالتحري ، وسألوهم الجزاء لمن وجد الصواع في متاعه ، ليكون الجزاء به برضاهم ، ولا يكون فيه غمط لهم أو تجاوز للحد ، أو الشطط في زعمهم . قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ( 75 ) أي جزاء هذه السرقة التي يستحقها من سرق ، من وجد في رحله ، فالسارق هو الجزاء ، ويظهر أن ذلك مبدأ كان معروفا ، وهو أن السارق يكون جزاء للمسروق بأن يملكه المسروق منه ، ويكون عبدا له ، ولذا قال سبحانه وتعالى عنهم : كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ، أي كهذا الجزاء نجزى الظالمين . وإن استرقاق الأحرار في نظير المال كان مبدأ مقررا في بعض عهود القانون الروماني الذي جاء بعد ذلك بعدة قرون . عدوّا الحكم على السارق إن كان ، وهو أن يسترقّ في نظير ما أخذ ، فأخذوا يبحثون في الأمتعة ، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ ، أي أنه بمقتضى الحكم الذي قرروه أن يكون أخوه حبيسا رقيقا عند العزيز ومن معه ، وذلك مبتغى يوسف ، لأنه يريد أن يحتجز أخاه عنده مكرما غير مهين ، وتم له بذلك ما أراد . وذلك بتدبير اللّه تعالى ، ولذلك قال تعالى : كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ أي كدنا ليوسف هذا التدبير ، أي دبرنا ليوسف مثل ذلك التدبير ما