محمد أبو زهرة

3842

زهرة التفاسير

دخلوا من أبواب متفرقة ، وتمثلت في يعقوب النبي صورة الأب الشفيق الذي يخشى على أولاده من كل شئ ، فإن الشفقة توهم ما لا يكون له حقيقة أو تكون له حقيقة ولكن بعيدة ؛ خاف على أولاده أن يعانوا ، أي تصيبهم العين ، فقال : يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، ففعلوا استجابة للحنان الذي يغمرهم ، ولذا قال تعالى : وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ، أي من أبواب متفرقة حيث أمرهم أبوهم مما كان لا يغنى عنهم من اللّه من شئ ، أي لا يدفع عنهم دون اللّه تعالى من شئ ، أي أن العين وأشباهها لا تدفع بالدخول من أبواب متفرقة ، إنما يدفعها اللّه إذا شاء إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ، هذا استثناء منقطع ، على نظر الكثيرين من المفسرين ، والحاجة هي الخاطر الذي خطر على فكر يعقوب ، وصار في حاجة لأن ينصح ولده بأن يدخلوا من أبواب متفرقة ، وهذه الحاجة هي شفقته على أولاده ، وخوفه من العين تصيبهم ، كما أشرنا ، ومن المفسرين من أنكر خوف العين ، على مثل نبي اللّه يعقوب عليه السلام ، وقال : إنه الخوف من الملك إذا رآهم وأولادهم جميعا في أبهة وفخامة أن يبطش بهم ، والحاجة تحتمل الأمرين ، وربما كان يرشح للثاني قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ من الحكمة والنبوة فلا يغنى عن اللّه شئ وإنا نميل إلى هذا . ورشحه أيضا قوله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ بل يسيرون وراء ما يتوهمون ، وإن لم تكن له حقيقة ثابتة ، واللّه أعلم . التقى يوسف بأخيه الحبيب المحسود من إخوته كما حسد هو ، وترتب على الحسد كيدهم له الذي أدى إلى وقوعه في الرق ثم نجاته ، وصيرورته عزيز مصر المنقذ . التقى بأخيه فضمه إليه ، وأسر إليه وقال له : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ .