محمد أبو زهرة
3843
زهرة التفاسير
والأخوة هنا هي الأخوة بالمعنى الخاص ، وهو أنهما شقيقان ، ولأن حقدهما عليهما جعلهما ينحازان في منحاز واحد ، كما أراد الإخوة الكبار ، وتذهب به شفقته ، وما أنعم اللّه تعالى به عليه إلى التسرية عن نفس أخيه بقوله فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ، أي فلا تدخل على نفسك البؤس والحزن بما كانوا يعملون ، أي بما استمروا على عمله من إثارة للحسد والحقد ، عملوه معي وكانت عاقبته ما ترى لي ، فقد آلت عاقبة فعلهم إلى أن أكون عزيز مصر ، وما يفعلونه معك لا تتصوره أن تكون عاقبته شرا ، فعاقبته لك خيرا . وكأنه أسر إليه بالاطمئنان إزاء ما سيفعله معهم ، لا إرهابا ولا انتقاما ، فمعاذ نبي اللّه أن يكون منتقما جبارا ، ولكن ليبقى أخوه في ظله ، وليستمتع كلاهما بالأخوة الرفيقة القريبة ، كما سيتبين من الآيات . جهزهم بجهازهم الذي جاءوا طامعين أن يزيدهم كيل بعير ، وحقق ما يبتغون ، ومكر بهم مكرا طيبا ، ليس خبيثا ، ولا اعتداء كما فعلوا هم معه ، فجعل الصواع الذي يكال به في رحل أخيه ، ولذا قال تعالى : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ( 70 ) . وقوله : بِجَهازِهِمْ أي الجهاز الذي ابتغوه وأرادوه غير منقوص ، وقد جعل السقاية في رحل أخيه ، أو وضعه في الرحل الذي يحمل البعير المخصص له ، ثم بحث عن السقاية ، فتبين أنها غير موجودة ، وأنها في رحال القوم ، فانطلق حراس القافلة منادين ، وهذا معنى أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ، أي أعلم معلم أَيَّتُهَا الْعِيرُ ، أي أيتها القافلة ، وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال ، وهنا مجاز مرسل إذ أطلقت ، وأريد راكبوها . وفي وصفهم بالسرقة مع أنه لم تكن منهم سرقة ، وما كان لنبي اللّه يوسف أن يكذب ، ولو لخير ، وقد أجيب عن ذلك بأنه لم يكن هو الذي وصفهم بالسارقين ، إنما الحارس المنوط به حراسة حاجة الملك هو الذي قال ذلك ، وإن كان