محمد أبو زهرة

3819

زهرة التفاسير

أخذت الألسنة في المدينة تلوك الخبر ، وتتحدث به ، وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ ، ما بين لائمة ومتعرفة ، ومتمنية كشأن النساء ، وقال سبحانه : فِي الْمَدِينَةِ لبيان شيوع القول بين أهل المدينة ، وقلن فَتاها ؛ لأن الفتى هو العبد ، وذكر ذلك لتصغير شأنها ، وأنها تتحبب إلى عبدها ، وقالوا في بيان تدلهها به ، قَدْ شَغَفَها حُبًّا ، أي أصاب شغاف قلبها حبه ، فيقال شغفه إذا أصاب شغاف قلبه ، ويقال دمغه إذا أصاب دماغه ، و حُبًّا تمييز محول من الفاعل أي شغف حبه قلبها ، ثم حكمن عليها بالضلال حكما صريحا ، إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي ضلال بين واضح ، والضلال هنا تنكب الصواب ، والوقوع في الهوى الذي لا يليق بها فهو لوم شديد لها . فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً لما سمعت بأقوالهن اللائي يروونها أرسلت إليهن ، وَأَعْتَدَتْ أي هيأت لَهُنَّ مُتَّكَأً ، أي أقامت لهن وليمة أو نحو ذلك ، وسمى متكئا تسمية للشئ باسم مكانه ، وهي تصور التنعم الذي كانت فيه ، وَآتَتْ وأعطت كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ، ولعل ذلك كان موجب الوليمة أو ما يشبهها . وسمّت قولهن مكرا ؛ لأنهن كن يشعنه ، وكأنه تدبير السوء ، ولأن بعضهن علمته من جانبها فما كتمن لها سرا ، ولأنهن كن يوجهن اللوم إليها ، ويتبادلن ذلك ، وكأنه أمر يدبر ، ولذا سمى مكرا . وبعد أن تهيأ المجلس ، قالت ليوسف اخرج عليهن وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ . خرج عليهن ، يتلألأ فيه نور الحق ، الجمال الذي كساه اللّه إياه ، فأخذ أبصارهن وقلوبهن ، وحسهن ، فقلن : حاشَ لِلَّهِ أي تنزيها له عن فعل البشر ، وقوله لِلَّهِ ، لأنه هو الذي نزهه وكرمه ، أو قلن كلمة التنزيه ، لأنه خلق مثل هذا الملاك الكريم .