محمد أبو زهرة
3820
زهرة التفاسير
و أَكْبَرْنَهُ ، أي جعلنه في موضع الإكبار والشرف ، ولذهولهن من الروعة التي تبدّى بها جرحن أيديهن ، وعبر سبحانه عن الجرح بالقطع ؛ لأن الجرح كان بليغا ، ولأن الجرح في حد ذاته قطع لبعض البشرة ، وقلن تلك الكلمة المعبرة عما في نفوسهم : ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ بهرهن حتى ارتفعت مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الملكية . ف إِنْ هنا هي النافية أي : ما هو إلا ملك كريم . التفتت امرأة العزيز إليهن ، وقد رأت الجروح تسيل بالدم من أيديهن ، وما اعترى نفوسهن من إكبار له ، واستهواء حتى حسبنه ملكا كريما ، وليس إنسانا من الطين . قالت : فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وكأنها تقول مصرّة على غيها ، فهل هذا ، وهل كان يجوز أن تلمننى فيه ، وقد قطعتن أيديكن ، إذ رأيتهن عبر النظر ، فما بال من تكون قريبة منه يطلع عليها نوره دائما ؟ ! ، لقد انكشف أمرهن ، وصبون إليه فكشفت نفسه لهن ، ولا ملام عليها ، وكان حقا في منطقها أن يعذرنها . فقالت : وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ كشفت كل ما كان خفيا ، أو ما كان ينبغي أن يكون ، وبلغت الغلمة أقصاها ، ولم تعد المراودة والملاطفة ، لأنه استعصم ، أي طلب العصمة ، وتمسك بها ، وتحول الأمر إلى إكراه بالسجن ، وتصغير أمره وشأنه في القصر . ولكن يوسف الأمين المحفوظ برعاية اللّه ، والمحصن بحصن الإيمان ، ازداد قوة في الاستمساك بالعفة ؛ وإنه إذا كانت المراودة والتلطف تدنى ، فالإكراه يجافى ويبعد ، وإزاء التهديد لجأ إلى ربه معاذه وملجأه قال : قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) . قالت المرأة الشبقة المغتلمة ، إما السجن ، وإما الاستسلام لها ، فقال عليه السلام : السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ، وإذا كانت قد بلغ بها عنف