محمد أبو زهرة

3812

زهرة التفاسير

ألقى يوسف الحبيب في الجب ، وسلمه إخوته وديعة للّه تعالى ، وإن لم يقصدوا ، ونرجح بمقتضى طبائع النفوس أنهم لم يكونوا جميعا مستريحين لهذه الجريمة بل روى أن واحدا منهم كان غائبا ، فلما أخبر ذهب إلى الجب ، ولكن السيارة كانت قد التقطته ، وإنه لا يمكن بمقتضى الطبيعة الإنسانية أن يرتاح المجرم بعد جريمته ، وخصوصا أنها كانت على أخيهم ، وجريرتها كانت على أبيهم الشفيق . ألقى في الجب ، وقد ألقى اللّه في قلبه الاطمئنان بإلهام اللّه تعالى والرضا بقضائه وقدره ، وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ قافلة فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الذي يتكشف لهم الماء ليرده ، ويملأ لهم ما يسقيهم ، فتعرف هذه البئر التي يقر فيها يوسف نتيجة الحسد ، فَأَدْلى دَلْوَهُ ، أي أرسل الدلو إلى ماء البئر فتعلق به الغلام الذي أريد له الضياع - أو الموت أيهما أسبق - بالدلو فبدل أن يخرج ماء وجد غلاما جميلا ، فقال : يا بُشْرى هذا غُلامٌ ، استبشر به ، وكان وجها صبوحا مشرقا ، وقال : يا بُشْرى ، يناد البشرى من فرط فرحه ، أي أقبلي فهذا وقتك . أسرته القافلة كلها ، وعدّوه بضاعة يتّجر فيها ، تباع وتشترى ، ويجرى من ورائها كسب ، ولم يكونوا راغبين في بقائه بينهم ؛ لأنهم لا يكون معهم إلا من يعمل معهم ، وغلام يحملونه ويغذونه قد يكون عبئا عليهم ، وهذا معنى قوله تعالى حكاية عن حالهم وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ، زهدوا فيه ولم يرغبوا في