محمد أبو زهرة

3813

زهرة التفاسير

إقامته معهم ، وحملهم إياه ، ولذلك باعوه بيع من يرغب عنه ، لا من يرغب فيه ، وفي اقتنائه ، إن صح هذا التعبير بالنسبة لنبي اللّه تعالى . ولذا قال تعالى : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ لأنهم كانوا فيه زاهدين ، وشروه هنا معناها باعوه ؛ لأن « شرى » تستعمل بمعنى البيع ، وبمعنى الشراء ، وعندما تكون بمعنى البيع يكون التعبير بلفظ الشراء تكون فيه دلالة على الزهد فيه ، وتركه ، وعبر سبحانه عن الثمن بأنه بَخْسٍ ، أي مبخوس غير مرغوب فيه ، وأكد البخس بأنه دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ، وليست دنانير ، وبالدراهم التي تعد ، وذلك في قليل الدراهم ، أما الكثير فيكون التقدير بالوزن . باعوه لأحد المصريين ، وقد ابتدأ الفرج ، وابتدأ يلقاه من يرغب في بقائه ، لا من ينفر منه ، وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ ، أي أكرمي إقامته ، أي اجعلوه في مقام مكرم غير مهين ، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً أي عسى أن ينفعنا ببيعه أو بعمله ، أو نتخذه ولدا ، ويقول تعالى : وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ أي كهذا الذي كان من أنه وجد بين من يحبونه ، ولا يبغضونه ، ويريدون له الحياة ، ولا يريدون الموت : مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ؛ ليعيش معززا مكرما ، ولو في رق وأسر ، وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ لنعلمه : معطوفة على فعل محذوف هو نتيجة التمكين في الأرض ، ليعيش مطمئنا هادئا ، وليتمكن من العدل والإصلاح في الأرض ، ودفع أزماتها ، و ( اللام ) لام العاقبة في الفعل المذكور ، والفعل المقدّر ، و الْأَحادِيثِ هي الكتب المنزلة ، أو مأثورات النبيين إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وتأويلها معرفتها ، ومعرفة مآلها ، وقد يكون من ضمن ما علمه اللّه تعالى تفسير الرؤى والأحلام ، وقد كانت الطريق لتمكينه في الأرض وإقامة العدل فيها . وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ لا يرده شئ ، ولا يرد قدره شئ ، أرادوا له الضياع ، وأراد اللّه له الكرامة فكان ما أراد اللّه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ