محمد أبو زهرة

3801

زهرة التفاسير

ولكن السورة أشارت إلى أن الوقاية منه هو منع ما يثيره ، بإظهار المنزلة العالية ، لبعض الأبناء ، وإظهار البخس للآخرين أشار إلى ذلك قول يعقوب ليوسف : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً . وإن هذا الحسد ليس حسدا مستمكنا بحيث يبقى بين الإخوة ما داموا ، بل إنه سرعان ما تقضى عليه المحبة التالية التي إن اختفت حينا ، فلن تختفى طوال الحياة ، وسرعان ما تكون ، وهي الباقية ، والأصل ، والحسد عارض لا يدوم ، ألم تر لقاء يوسف بإخوته ذلك اللقاء الحبيب ، وهم يقولون : . . . تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ( 91 ) . والثانية : من الآيات النفسية . أنه لا يذهب بقوة الرجل غير الحزن الدفين المستكن في النفس ، فهذا يعقوب الإنسان يمضّ نفسه الحزينة ، حتى تبيض عيناه من الحزن وهو كظيم . الثالثة : أن البشر بعد البؤس ، والسرور بعد الألم يرد إلى النفس ما أذهبه الحزن ، فإنه لما ألقى على وجهه قميص يوسف ارتد بصيرا ؛ لأن الحزن قد ذهب إلى غير أوبة ، والسرور يفعل فعله في الجسم فيزيل ما فعلته الكآبة فيه . الرابعة : أنه في وسط ثورة الباطل وحدّته في غلمان يعقوب وحسدهم لأخيهم وجد من يدعو إلى الرفق ، ويستمع إليه ، فقد اتفقوا على قتله ، فجاء واحد منهم ، وهم في حدة الحسد ، وقال : . . . لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ . . . ( 10 ) ، وهذا يوحى إلى أن كلمة الرفق لها استجابة في أشد الإخوة عنفا . الخامسة : إن أشد ما يثير الحسد ، هو الإيثار بالمحبة ، فإن إثارة الحسد ، لا تكون بالإيثار بالطعام أو الشراب وإعطاء المال فقط ، بل إن الإيثار بالمحبة أفعل وأشد ، ألم تر أولئك الغلمان يقولون : إن يوسف وأخاه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة .