محمد أبو زهرة
3802
زهرة التفاسير
السادسة : أن الصبّا أقرب إلى حب الانتقام من كبر في السن ، فشدة الصّبا ، معها شدة الجهالة وحب الانتقام ، من غير نظر إلى العواقب ، وأنت ترى صبيان يعقوب ، وهم يحسدون يوسف قد بدّله اللّه تعالى منهم رجالا يتحملون التبعات بعد أن أوشكوا أن يكونوا كهؤلاء أو كانوها . السابعة : أنه لا يطفئ الحسد إلا المحبة القوية المانعة ، ألم تر أن المحبة التي كانت تنبعث من قلب الأب الرفيق الشفيق كانت تنهنه من حدة الحسد فيهم ، وقد بدا ذلك منهم عندما طلب يوسف أخاهم من أبيهم ، فقالوا : . . . إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ . . . ( 78 ) ، فهل كانت هذه حالهم عندما أخذوا يوسف ، وألقوه في غيابة الجب بعد أن أرادوا قتله . وإن هذا يدل على أن حسد الإخوة مهما يكن مآله إلى زوال ، وعوامل زواله أقوى من عوامل بقائه . الثامنة : أن الدعوة إلى الخير لا يصح أن يكف عنها المؤمن مهما يكن في حال من البؤس والألم ، ألم تر يوسف الصديق وهو في السجن ، لم تشغله حاله عن الدعوة إلى التوحيد . التاسعة : أن السورة تصور النفس الإنسانية في انحرافها ، واستقامتها ، ألم ترها تصور امرأة العزيز وقد انحرفت عن الجادة نحو فتاها ، وأنه شغفها حبا ، وإن ذلك يدل على فساد القصور في هذا العهد ، وألا ترى أن في هذا دعوة لأن يحتاط أرباب البيوت فلا يجعلون في خدمهم جميلا ؛ فإنهم يفسدون به نساءهم ، ويفسدونهم ، ويطمعونهم فيهم . وإن هذه الحال من شغف امرأة العزيز بيوسف ، وردها ، ومقاومة دواعي الهوى في شاب قوى فتى ، يدل على أن الإرادة القوية الحازمة تكبح جماح الشهوة .