محمد أبو زهرة

3795

زهرة التفاسير

الأمر الأول : أنها حروف مفردة لا يعرفها الأمى ، ويعرفها الكاتب ، فمجيئها على لسان أمي دليل على إعجاز القرآن الكريم . الأمر الثاني : أنها تشير إلى الإعجاز ، فهي تشير إلى أنه مكون من الحروف التي تتكلمون بها ، ولكنه معجز ، فهو من جنس كلامكم ، ولكنكم لا تستطيعون أن تأتوا بمثله ؛ لأنه فوق طاقتكم ، وإن كان قريبا لكنه معجزة . الأمر الثالث : أن كبار المشركين كانوا قد اتفقوا على أن يلغوا إذا سمعوه ليشغلوا أنفسهم ، فكان النبي ومن معه من المؤمنين إذا ابتدءوا يقرءون بهذه الحروف الصوتية قطعوا عليهم كفرهم والتفتوا مستمعين ناقضين ما اتفقوا عليه ، كما اتفقوا على ألا يذهبوا ويسمعوا ، ثم تبين أن المتفقين على المقاطعة ، قد اجتمعوا ليسمعوا . ولذا يذكر القرآن أمر الكتاب بعد هذه الحروف في كثير من السور التي ابتدئت بها ، واللّه أعلم . إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ، الضمير يعود على القرآن الذي تشير إليه هذه الحروف ، حتى قيل : إنها اسم للسور التي تصدرتها قُرْآناً عَرَبِيًّا أي أنزلناه كتابا يقرأ عربيا ، وليس أعجميا ، فهو قرآن عربى ، وليس بأعجمي ، وهذا النص يدل على أمرين : الأمر الأول : أنه نزل مقروءا متلوّا ، علمنا اللّه تعالى قراءته وتلاوته ، ولم يتركنا نتصرف في قراءته ، كما نقرأ كلاما من كلام الناس ، بل علمنا قراءته وترتيله ، كما قال تعالى : . . . وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) [ الفرقان ] . وكما قال تعالى في نزوله ، وجبريل يقرئه للنبي صلى اللّه عليه وسلم : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) [ القيامة ] . الأمر الثاني : إن القرآن المعجز هو العربي ، وليست ترجمته قرآنا ؛ لأنها من عبارات البشر ، ولأن الترجمة لا يمكن أن تكون محققة لمعاني القرآن ، إذ هو