محمد أبو زهرة

3796

زهرة التفاسير

عميق يغوص فيه الغواصون على الحقائق ، وإنه محدد المعاني ، تزيد المعاني في نفس القارئ بمقدار ما يزداد إدراكه ، وهو واضح لكل إنسان بمقدار إدراكه ، فالأمى يدرك منه بمقدار ما تتسع له طاقته العلمية ، والعالم بالكون تتسع له المعاني بمقدار طاقته ، ولذا وصفه العربي البليغ بقوله : إن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ، ولا يعلى عليه . ولا يصح أن يدعى لأحد أنه ترجم القرآن ، وأن ترجمته قرآن يتعبّد بتلاوته ، ويسجد له سجدة تلاوة ولا يمسه إلا وهو طاهر ، وقد أجمع على ذلك العلماء ؛ السلف والخلف على سواء ، إلا من ران اللّه على قلبه وعقله ، وإذا كان قد روى عن أبي حنيفة أنه أجاز الفاتحة بالفارسية ، فإن الراجح أنه رجع عن ذلك ، عندما لانت ألسنة الأعاجم ، بقراءة القرآن « 1 » ، وقانا اللّه تعالى شر البدعة والمبتدعين . وقال تعالى : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، أي رجاء أن تعقلوا معانيه ، وما يدعو إليه وما يتضمنه من بلاغة معجزة وما فيه من بلاغ للناس ، والرجاء من الناس لا من اللّه ، أي لعلكم تكونون في وضع من يرجو الإدراك السليم ، واللّه عليم بما تخفى الصدور . وقد مهد اللّه سبحانه وتعالى لقصة يوسف ، التي كان الخبر عن يوسف الصديق عليه السلام هو قطبها الذي دارت عليه أخبارها ، عليه وعلى نبينا أفضل السلام وأتم التسليم ، فقال : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 ) . الضمير نَحْنُ ضمير المتكلم ، وهو اللّه تعالى ، وهو اللّه العظيم في ذاته وصفاته ، نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ، والقصص الإخبار المتتابع ، الذي يحكى ، ويتبع ما يحكيه ، تتبع الاستقصاء ، وعبر عنه سبحانه بأنه أَحْسَنَ الْقَصَصِ ؛

--> ( 1 ) راجع كتاب « أبو حنيفة » للإمام محمد أبو زهرة .