محمد أبو زهرة

3792

زهرة التفاسير

تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 96 ) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ ( 97 ) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 98 ) . وبهذا تنته قصة يوسف الصديق الحبيب ؛ أخذ من بين أهله ، وألقى في الجب ، وانته ملكا مصلحا ، ونبيا مبشرا ونذيرا ، وكان له أثر في مصر ، ذكر بعده بقرون عندما بعث موسى ، فقد قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون : وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ . . . ( 34 ) [ غافر ] . التقى الأحباب وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً . . . ( 100 ) ، أي خضعوا لحكمه كما تخضع الرعية لراعيها العادل ، لا أنهم سجدوا له كما كان يسجد للفراعنة ، فمعاذ اللّه أن يكون نبي اللّه يعقوب ساجدا لغير اللّه ، ومعاذ اللّه أن يقبل ذلك يوسف نبي اللّه من أبيه . أخذ يذكر يوسف أباه برؤياه الأولى ، ويذكر له كيف أخرج من السجن بعد أن نزغ الشيطان بينه وبين إخوته ولم يبق إلا أن يحمد اللّه على ما أوتى من نعمة ، ويقول : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 101 ) . العبرة كانت القصة كلها من الأخبار الغيبية على العرب ، وقد كان فيها أخبار عن ناس لم يكن من شأنها أن تكون معلمة ، معلنة ، إذ هي أخبار أسرة ، . . . وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ( 102 ) فتلك أخبار النفوس لا يعلمها إلا علام الغيوب ، وتلك معجزة الذي كفروا به . وإن الكون كله آيات بينات دالة على منشئه الواحد الأحد الفرد الصمد ، وإذا كانوا يؤمنون باللّه تعالى ، فهو إيمان بالقدرة ، ووحدانية الخالق المنعم ، ولكنهم يعبدون غيره ، وهذا قوله تعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) .