محمد أبو زهرة
3784
زهرة التفاسير
من لم يرد القتل المباشر ، بل أراد القتل البطيء ، أو الموت المحتمل وذلك حين تكون الحياة أقرب من الموت ، ولذا قال : . . . يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ . . . ( 10 ) . التنفيذ ذهبوا إلى أبيهم ، و قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) محبون مخلصون ، أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) . عندئذ قال يعقوب ما يدل على توجسه خيفة على ولده الحبيب العزيز ، وفرطت من الرجل الطاهر نبي اللّه كلمة اتخذوها ذريعة لستر جريمتهم ، قال لهم : . . . إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) . لقد ذكر أنه يخاف أن يأكله الذئب ، في غفلتهم ، فلقنهم ما يستر إجرامهم ، قالوا وقد وجدوا الحجة وأخفوها في أنفسهم ، . . . لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) . ذهبوا به واجتمعوا أن يلقوه في غيابة الجب فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 15 ) ، وقد ألقى اللّه تعالى في روع يوسف الغلام الحبيب أنه سيعلو عليهم ، وسينبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . بعد أن ألقوه في الجب وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) . وهكذا ترى أن الأب الشفيق الكريم قال إني أخاف أن يأكله الذئب ، فقالوا ساترين جريمتهم أكله الذئب ، ونبي اللّه تعالى لم يصدق أبناءه ، بل قال بعد أن جاءوا على قميصه بدم كذب : . . . قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) .