محمد أبو زهرة
3785
زهرة التفاسير
استراح إخوة يوسف ، أو توهموا أنهم استراحوا ، وعشى على قلوبهم الحسد البغيض فلم يدركوا ما صنعوا وبقيت لوعة الشيخ أبيهم تترقب ابنه ، ولم يذهب عنه الأمل في لقائه ، ولم ييئس . . . إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) . ولننظر في قصة القرآن عما جرى ليوسف ، وقد ألهمه اللّه تعالى الاطمئنان ، جاءت قافلة تسير فأرسلوا واردهم يتعرف أماكن الماء ، فوجد الجب ، فألقى دلوه ، فلم يخرج الماء ، ولكن خرج ما هو أطهر فاستبشر ، و . . . قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ . . . ( 19 ) ، وأسروه على أنه بضاعة ، ولأنها بضاعة جاءت من غير ثمن ، باعوه بثمن بخس دراهم معدودة ، ولم يكونوا راغبين في اقتناء هذه البضاعة بل كانوا فيه من الزاهدين . وإذا كان قد استقبل شقوة الحسد ، فقد استقبل بعد ذلك بالبشر والحبور ، وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً . . . ( 21 ) ، وكذلك أشرق النور في وسط الظلمة . وبذلك مكن اللّه تعالى ليوسف ، وألهمه اللّه تعالى تأويل الأحاديث التي تتحدث بها النفس في منامها ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) . ولكن النفس الصبور يصقلها اللّه تعالى بالشدة ، وإذا كانت الشدة التي استقبلته أولا كانت تتعلق بحياته أو موته ، فالشدة الثانية أخطر على نفس الصديق يوسف . وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ . . . ( 23 ) ، أي أرادته لنفسها ، وحاولت أن تخرجه من نفسه الطاهرة الصافية ، . . . وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ . . . ( 24 ) في وقت هذه المحنة النفسية رأى نور الحق الذي يعصم نفسه ، فبقى