محمد أبو زهرة

3768

زهرة التفاسير

النفوس ، فإنه إذا أقبل الفجر ، وأصبح الصباح أدى صلاة الصبح ، فتجلو صدأ النفس ويستقبل الحياة بقلب سليم ، فيعمل في الحياة طاهرا حتى إذا ابتدأت النفس تصدأ بالاحتكاك بالناس جاءت صلاة الظهر ، فأزالت ذلك الصدأ ، ثم من بعد ذلك العصر ، وزلف الليل المغرب والعشاء . ولقد روى البخاري عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأخبره ، فأنزل اللّه تعالى قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ « 1 » . ولقد قال تعالى : ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ الإشارة إلى القيام بالفرائض الخمس ، وقال المفسرون : إنه إشارة إلى القرآن ، وكانت الإشارة إلى البعيد لعلو منزلته ، ورفعة مكانته ، وبعد شأوه ، ولا مانع فيما نرى أنها للقيام إلى الصلوات الخمس ، لهذه المعاني أيضا ، والمشار إليه مذكورا . والذكرى التذكر الدائم الباقي المستمر ، ولا شك أن أداء الصلوات الخمس في مواقيتها على الوجه الكامل يجعل نفس المؤمن في ذكر دائم للّه ، ولذا ختم اللّه تعالى آية الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بقوله تعالى : . . . وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ . . . ( 45 ) [ العنكبوت ] . وإن العبادات أداؤها على الوجه الأكمل الذي أشرنا إليه يحتاج إلى صبر وضبط النفس ، ولذا قال تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) [ البقرة ] ، ولذا قرن الأمر بإقامة الصلاة ، بالأمر بالصبر ، فقال تعالى : وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 ) . الأمر في هذه الآية وما قبلها للنبي صلى اللّه عليه وسلم ابتداء ، ولمن يتبعه من المؤمنين انتهاء ، وهنا ملاحظة بيانية ، تليق بالقرآن الكريم المعجزة الكبرى في بيانه ، وكل شؤونه .

--> ( 1 ) رواه البخاري : مواقيت الصلاة - الصلاة كفارة ( 526 ) ، ومسلم : التوبة ( 2763 ) .