محمد أبو زهرة
3763
زهرة التفاسير
ومجازيهم فقال : إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ الضمير يعود على اللّه تعالى أي أنه تعالى عليم بما يعملون علم من يبصر ويرى ، وقدم الجار والمجرور بِما تَعْمَلُونَ على بَصِيرٌ للاهتمام بالعمل ، وإنه مناظر الجزاء ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وإن الاستقامة هي أقصى درجات الإحسان ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في تعريف الإحسان : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك » « 1 » . كان في هذه الآية النهى عن الظلم ، ثم أردفها بالنهى عن الارتكان إلى ظالم ، فقال : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) . وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ، الواو عاطفة هذا النهى على النهى السابق ، وهو قوله تعالى : وَلا تَطْغَوْا الركون الاستناد ، فيقال ركن إلى الجدار أو الجبل أو الركن إذا استند إليه ، ويتضمن ذلك النهى الاعتماد على الظالم ، والإدهان إليه والميل إليه ، والتودد له ، والتقرب منه ، ومعاونته في الأمر الذي يفعله ، وقوله تعالى : الَّذِينَ ظَلَمُوا أي الذين وقع منهم الظلم ، وإن لم يتصفوا بالظالمين ، وإذا كان النهى عن مساندة الذين وقع منهم ظلم ، فأولى بالنهى من يكون الظلم عادة وسياسة مستمرة لهم ، ويلاحظ أن التعبير بالموصول فيه بيان بسبب النهى ، وهو مرفوع الظلم منهم ، ولقد قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم في معاونة الظالمين : « ومن سعى مع ظالم ، فقد سعى إلى جهنم » ؛ لأنه عاونه في ظلمه ، ولو أن الذين يظلمون لا يجدون من يعاونهم ، ويمانعهم ، وينصرونهم على المظلومين ما استمروا يرعونها ، حتى تكون فيها أشواك الأذى الممزقة . ولقد وجدنا ناسا في عهد طاغوت رأيناه أشد من فرعون عتوا ، يمالئونه على المسلمين ، حتى قتل ، وآذى وقطع أطراف الشباب ، ووصل عدد قتلاه خمسة
--> ( 1 ) متفق عليه وقد سبق تخريجه من رواية عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه .