محمد أبو زهرة
3764
زهرة التفاسير
وثلاثين ألفا من المسلمين غير من قتلوا تحت حر السياط والتعذيب في سجونه التي فاقت سجن الحجاج طاغية العرب عددا ، والحجاج كان عربيا ، فلم يعذب ، ولم يضرب بالسياط ، لأن مروءة العربي تمنعه . وقد كتب الزمخشري في هذا كتابة قيمة ننقلها من تفسيره ، رضى اللّه عنه : « والنهى متناول الانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم ، وزيارتهم ومداهنتهم ، والرضا بأعمالهم ، والتشبه بهم ، والتزيى بزيهم ، ومد العين إلى زهرتهم ، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم ، وتأمل قوله تعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فإن الركون هو الميل اليسير ، وقوله تعالى : إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي الذين وقع منهم الظلم ، ولم يقل الظالمين ، فكيف بالظالم ، وحكى أن الموفق ( أحد خلفاء العباسيين في عهد انحلال الحكم العباسي ) صلى خلف الإمام فقرأ بهذه الآية ، فغشى عليه ، فلما آفاق قيل له ، هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم . وعن الحسن ( البصري ) رحمه اللّه : « جعل اللّه الدين بين لاءين لا تَطْغَوْا ، و لا تَرْكَنُوا . . . . . » . ولما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين : « عافانا اللّه وإياك أبا بكر من الفتن ، قد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك ويرحمك ، أصبحت شيخا كبيرا ، وقد أثقلتك نعم اللّه ، بما فهمك اللّه من كتابه ، وعلمك من سنة نبيه ، وليس كذلك أخذ اللّه الميثاق على العلماء ، قال اللّه سبحانه : . . . لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ . . . ( 187 ) [ آل عمران ] . واعلم أن أيسر ما ارتكبت ، وأخف ما احتملت ، أنك آنست وحدة الظالم وسهلت سبيل الغى بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك ، اتخذوك قطبا تدور عليك رحى باطلهم ، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم ، وسلّما يصعدون فيك إلى ضلالهم ، يدخلون الشك بك إلى العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهلاء ، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك ، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك ، فما يؤمنك أن تكون ممن قال اللّه تعالى فيهم : فَخَلَفَ