محمد أبو زهرة
3755
زهرة التفاسير
[ الأنبياء ] ، فإذا كان قد أدخل الكفار النار فبمشيئته ، وإذا كان قد أعطى المؤمنين الأتقياء جنة ، فبرحمته ومشيئته ، وعطائه ، ولذا قال بعد ذلك عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ : وهذا القول مستقيم نختاره ، ونذكر القول الثالث ، ونراه معقولا في الجملة ولا نرده : القول الثالث : أن هذا ذكر للاستثناء في مقام الفعل ، أخذ به اللّه في حقه ليندب خلقه إليه ، كما قال تعالى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . . . ( 24 ) [ الكهف ] . وإذا كنا لم نختر هذا القول ، بل اخترنا الثاني فإنا لا نقول : إنه قول باطل ، وإنما اختيارنا للثاني لأنه صحيح في ذاته ، ويرشح له قوله تعالى بعد ذلك : إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فهذا النص السامي يثبت أن إرادة اللّه مطلقة في كل ما يعطى ، وكل ما يمنع . وقوله تعالى إلا ما شاء اللّه : التعبير ب ( ما ) دون ( من ) لأن معناها أنه إلا أن يشاء اللّه هذا ما ينال الذين شقوا من عذاب ، أما ما يناله الذين سعدوا ، فقد بينه بقوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ( 108 ) ، سُعِدُوا بالبناء للمفعول ، لأن الفاعل معلوم ، وهو اللّه تعالى ، فالمعنى سعدهم اللّه ، فسعدوا ، وقد سعدوا ، لأنهم اهتدوا إلى الإيمان والعمل الصالح في الدنيا ، وسعدوا لأنهم دخلوا الجنة على وجه الدوام في الآخرة ، وسعدوا لأن نالوا رضوان اللّه في الدنيا والآخرة ، ولأنهم يوم القيامة ، يتجلى عليهم ربهم فتنضر وجوههم وتنظر أعينهم ، كما قال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة ] . وذكر سبحانه نيلهم الجنة ، فيقول : فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ مقيمون على وجه الخلود ، ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ ، وقد ذكرنا أن هذا ليس تقييدا لإرادة اللّه