محمد أبو زهرة
3395
زهرة التفاسير
الآخرة ، وإنه يدل على أن ذلك البكاء الطويل من نار جهنم حتم لازم ، وقوله تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي أن اللّه تعالى يجازيهم ذلك الجزاء ، ونصب جزاء على أنه مفعول لأجله . أي أن ذلك البكاء الطويل يكون جزاء مقابلا للضحك القليل ، والرضا بالعذاب الطويل في مقابل الراحة القليلة ، أو اللذة العاجلة في مقابل المنفعة الدائمة الخالدة ، ويستحق ذلك الجزاء ، وقال تعالى : بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بسبب وفي مقابل ما كسبوه من راحة مؤقتة ، وترك للواجب ، والكسب ما يصير عادة للنفس ، وتستمر عليه في حياتها . فهذا العذاب للمنافقين ليس لأجل هذا القعود فقط ، وإن كان إثما كبيرا فهو عقاب على ما كسبوه في أنفسهم ، وصار حالا مستمرة لهم كانوا يفعلون بموجبه دائما مع المؤمنين . والتعبير ب ( كان ) مع الفعل المضارع في قوله تعالى : بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يدل على استمرار هذا الذي كانوا يكسبونه ، وتجدده آنا بعد آن كلما كان أمر جامع ، وكلما بدا نفاقهم المستمر . كانت تبوك غزوة اختبر اللّه بها المؤمنين فبان من استخذى وندم ، ومن نافق وأصرّ ، وما كان استئذان المنافقين لسبب يوجب قعودهم ، بل كان خدعا للنبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه ، فلكى يعرفوا أن أمرهم صار مكشوفا ، ولكيلا يحاولوا خدعه صلى اللّه عليه وسلم نهى اللّه تعالى نبيه عن أن يأذن لهم ، فقال تعالى : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) . رجعك اللّه إلى المدينة سالما غانما ، فالرجوع إلى الجميع مؤمنين ومنافقين ، فلما خص سبحانه وتعالى الرجوع إلى طائفة منهم ، والضمير في منهم يعود إلى