محمد أبو زهرة

3744

زهرة التفاسير

بعد هذه العبارات القوية في معناها ومرماها ، الرقيقة في مبناها قالوا متحدين شعيبا قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ أي ما ندرك كثيرا من قولك إدراك فهم ، وما ذكروا ذلك ليزدادوا فهما ، بل ذكروه مستنكرين لما يريد مستهينين به ، وهو يتضمن رفضا لقوله ، وإنكارا لدعوته إلى التوحيد ، وحسن المعاملة ، والقيام بالعدل فيها وإعطاء كل ذي حق حقه ، وكأن المعاملة بالبخس حق لهم ، ولذا قالوا متحدين أيضا مهددين : وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ أكدوا أنهم يرونه ضعيفا لا يمتنع عليهم إذا أرادوه بسوء ، ولولا جماعتك ، أو عصبتك الذين يوالوننا ، ولا نريد أن نغاضبهم لرجمناك ، أي لقتلناك شر قتلة ، وهي القتل رميا بالحجارة حتى تموت : وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ أي بممتنع علينا ، إن أردناك بسوء ، أو أردنا رجمك ، ونفوا أنه عزيز عليهم أشد النفي ، فأكدوه ، بالخطاب وتكراره ، وبالباء ، وبتقديم عَلَيْنا ، وذلك اغترار بقوتهم ، وسطوتهم ، وتأكيد بأنه في قبضة أيديهم . ويرد الحليم الرشيد شعيب غير عابئ بتهديدهم معتمدا على ربه ، معتزا بعزته : أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ الاستفهام إنكاري لإنكار الواقع ، وفيه تهكم بهم وبغرورهم ، والمعنى ليس رهطى أعز عليكم من اللّه ، وإن زعمتم ذلك فأنتم في غرور ، وانخداع بأنفسكم ، وقوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي نسيتم اللّه ذا العزة والجلال ، وحسبتم أن رهطى أعز عليكم من اللّه ، وجعلتم رب العزة والجلالة وراءكم ظهريا وهذا تعبير لمن يطرح الأمر الجدير بالاعتبار وراء تفكيره ، فشبه فعله بفعل من يرمى الأمر وراء ظهره ، بحيث لا يراه ، وقد هددهم بأن اللّه مانعه بقوله : إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ أي عالم علم إحاطة وشمول لا يخفى عليه شئ من أفعالكم ، وما تريدون برسوله إليكم ، وإنه لمحيط بكم ، وعبر بربى للإشارة بأنه حاميه منهم ، لأنه هو الذي أنشأه وربّه ويحميه ويحرسه .