محمد أبو زهرة
3394
زهرة التفاسير
إنهم يختارون المتعة العاجلة القليلة ، ويختارونها ويتركون المتعة الدائمة ، ويقبلون العذاب الأليم ، ولذا قال تعالى : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) . ويقول الزمخشري في قوله تعالى : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ استمهال لهم ؛ لأن من تصوّن عن مشقة ساعة فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل ولبعضهم : مسرة أحقاب تلقيت بعدها * مساءة يوم أريها شبه الصاب فكيف بأن أتلقى مسرة ساعة * وراء تقضيها مساءة أحقاب والمعنى أن مسرة أحقاب يعقبها مساءة يوم يكون عسلها مرا كالصاب ، وهو شجر شديد المرارة ، فكيف يرضى العاقل بأن يلقى مسرة ساعة ، وراءها مساءة أحقاب ، أي أزمان . وإن الآيتين متصلتان ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وكنى سبحانه وتعالى بالضحك عن السرور والفرح بالقعود عن الجهاد اتقاء للحرارة ، فإن الضحك يلازم السرور عادة ، وهو مظهر من مظاهره ، كما أن البكاء كناية عن الألم الدائم ؛ لأن البكاء ظاهرة من مظاهر الألم الشديد . والفاء في قوله تعالى : فَلْيَضْحَكُوا . . . للإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ؛ لأن المعنى العام ، إذا كانوا قد فروا من الغزوة اتقاء للحر في الوقت القصير ، وأهملوا ما يستقبلهم من حر جهنم الأشد الذي يكون جزاء التخلف ، فقد استبدلوا البكاء الطويل بضحك قليل . والأمر للتهكم على أولئك الذين لا يفقهون ، وتهديد لهم ، وجاء التهكم بصيغة الأمر لما في معنى الأمر من الحتم واللزوم ، وأنه واقع لا محالة ، فهم بلا ريب سيكونون في سرور وقت قصير في الدنيا ، ثم يكون من بعده ألم طويل في