محمد أبو زهرة

3735

زهرة التفاسير

الإهراع الإسراع في رعدة ، وقد جاءوا بهذا الإسراع في رعدة الشهوة الجامحة الفاسدة ، ولا يستعمل « يهرع » إلا بالبناء للمجهول ، جاءوا مسرعين مهتزين مرتعدين من شدة الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين ، وهم معروفون عند نبي اللّه لوط عليه السلام بهذه الفاحشة ، ولذا قال تعالى : وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي كانوا مستمرين من قبل على عمل السيئات التي تسىء الإنسانية في ذاتها ، وتسيئهم وتسىء مجتمعهم ، فأدرك لوط ما ذا يريدون ، وعرض بناته عليهم ليتزوجوهن بدل الاسترسال في هذه الفاحشة التي لا يرضاها الحيوان لفطرته ، ويظهر أنه ألح في العرض وألحوا بالرد وتكاثروا بالفساد فقال أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ بعد أن لجأ إلى مروءتهم إن كان عند مثل هذا الصنف من الناس مروءة أو بقية من إنسانية فقال : وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي . قالوا مصرين على سوئهم وقبح فحشهم . قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ( 79 ) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 ) . قالوا ما لنا في بناتك من حاجة ، وعبروا عن هذه الحاجة بكلمة الحق ، فقد توهموا لفرط غلبة الشهوة عليهم أن هذا الذي يفعلونه من إثم حق منحه اللّه لهم ، هم ومن يشبههم من جيل هذا الزمان . فضاق صدر نبي اللّه وقد أحس بضعفه أمام قوتهم وكثرتهم وقلة من معه فقال مستيئسا لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، أي لو أن لي بدفعكم قوة أردكم بها أو آوى إلى قوى أمتنع به دونكم ، وشبه ذلك القوى بالركن من الجبل ، ويصح القول ( أخرج من هذه الأرض الفاسدة وآوى إلى جبل يعصمني منكم ومن شركم ) ، وكلمة لَوْ للتمنى ، وفي هذا الاستضعاف الشديد يكون فرج اللّه ، فيجد أنه آوى إلى أعظم ركن وهو ركن اللّه تعالى ، وقد رأى ذلك الركن بجانبه وهم الملائكة .