محمد أبو زهرة

3720

زهرة التفاسير

صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي إن ربى ممسك الطريق المستقيم متمكن منه ، وأن ما يدعو إليه هود هو الصراط المستقيم كقوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ . . . ( 153 ) [ الأنعام ] . وقد أبلغ هود رسالة ربه وحسبه ذلك ، ولم يبق إلا أن ينزل بهم ما استعجلوه ولذا قال تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) . أبلغ هود رسالته في بيان ورفق ، ولم يكن رفقه ضعفا في جنب اللّه ، ولكنهم أصروا على الكفر والعصيان واستعجلوا العذاب الذي كان يذكرهم به أثناء تبليغ رسالة ربه ، عندئذ ذكرهم بعاقبة أمرهم ، فقال تعالى مخبرا عنه : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ ، تَوَلَّوْا فعل مضارع حذفت فيه تاء ، أي فإن تتولوا بأن تعرضوا فقد أبلغتكم رسالة ربى الذي رباني وخلقني ، ولم يبق بعد الرسالة إلا أن ينزل بكم ما أنذركم به وهو عذاب محيط مدمر ، ولذا قال تعالى فيه : وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ أي بعد إزالتكم من الأرض ، ولا تضرونه شيئا بزوالكم وذهاب جمعكم لأنه لا يحتاج إلى خلقه وهم يحتاجون إليه . إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ، أي رقيب لا تخفى عليه أعمالكم ويجازيكم عليها حق الجزاء وهو حفيظ على كل شئ ، لا يمكن أن يضره شئ ، وهو فوق كل شئ وعلى كل شئ قدير . وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) . بين سبحانه نزول العقاب بالكافرين ونجاة المؤمنين برحمة كريمة منه ، وحسبها شرفا أنها من رب العالمين ، وبين سبحانه أن النجاة كانت عظيمة ؛ لأنها نجاة من عذاب شديد ، كما بين سبحانه أن العذاب غليظ أي شديد لا رفق فيه ؛