محمد أبو زهرة
3700
زهرة التفاسير
فضل حتى تكونوا مستحقين للثواب دوننا ، وذلك لربطهم الرفعة في الدنيا بالمادة ثم أكدوا بعد ذلك ما توهموا فقالوا : بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ وهو إضراب عما يوهم كلامهم في فرض صدق الأخبار بأنهم يستحقون ثوابا ، ويقول المفسرون إن الظن هنا هو العلم ، وأنا أقول إنه الظن الحقيقي ؛ لأن الكفار كل علمهم أوهام ، والأوهام إذا كان منها اعتقاد لا يمكن أن يكون إلا ظنا ، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا . ولقد أجابهم نوح عليه السلام : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ( 28 ) . ابتدأ نوح عليه السلام نداءهم ب « يا قوم » تقريبا وتأليفا ، أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي دليل وسلطان ، وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أي خفيت عليكم ولم تهدكم ، أَ نُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ أي لا نلزمكم إياها وأنتم كارهون لها ، والرحمة من آثار الإيمان ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي جاءت البينة فلم تدركوها فخفيت عليكم ، والخطاب أرفق ما يكون لقربهم إليه ، ولم يقل كفرتم بل قال : « خفيت عليكم » وترك الأمر لاختيارهم ، ووجه أنظارهم إلى أن الأمر ليس لفضل شخصي ، ولكن لهدى إلهي ، ولأن رسالات اللّه بينات وهداية . ثم بين أن المسألة ليست أمرا دنيويا ، حتى تتنافسوا عليه ، إنما هو أغلى مما عندكم وما تتنافسون فيه . ثم ناداهم عليه السلام بما يؤلفهم : وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 29 ) . طمأنهم إلى أنه لا يسألهم مالا ، والمال عنصر حياتهم المادية التي بها يستعلون وهو زخرف الحياة وزينتها ، ولكن يسألهم هداية ، وأجره على اللّه وحده