محمد أبو زهرة
3701
زهرة التفاسير
إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ( إن ) نافية ، لا أجر لي إلا عند اللّه فلا تحاولوا أن تنكروا الرسالة ما دامت لا تكلفكم مالا ، بل تكلفكم إصغاء وإيمانا . ثم هم كانوا يطعنون في اتباعه ويغضون من مقامه عند اللّه ولا يرضون أن يكونوا صفا واحدا مع هؤلاء الأراذل في زعمهم المادي الفاسد ، فيقول لهم قولا قاطعا حازما حاسما فيه شدة وقوة وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا لأنى جئت للهداية لا للثروة والمال ، وعبر بالموصول في كلمة الَّذِينَ آمَنُوا لبيان سبب النفي ، وهو كونهم آمنوا ، فحققوا ما جئت به ، فكيف أطردهم . وإن الاعتبار بحالهم وحالكم إنما يكون في الآخرة وليس في الدنيا ، ولذا قال : إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وعند لقاء ربهم الذي خلقهم ورباهم على تقوى منهم ، فستكونون معهم وستعلمون أنهم أهدى سبيلا . ويتجه نوح إلى أن يصدع بالحق فيهم بعد هذا الرفق الكريم ويقول : وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ، وهذا الاستدراك من القول اللين العطوف إلى القول الحق الذي لا يخلو من عنف في لطف ، أراكم قوما تجمعتم وتحزبتم وأنتم تجهلون الحقائق وتمارون بالباطل ، انتقل من عذرهم بخفاء الأمور عليهم إلى رميهم بالجهل المستمر الذي يتجدد آنا بعد آن وقد استمروا عليه . ثم من بعد ذلك مستنكرا طردهم . وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 30 ) . ابتدأ أيضا بالنداء المقرب المؤلف وَيا قَوْمِ إن كنتم تسترذلونهم وتستحقرونهم فهم عند اللّه أهل القربى فكيف أطردهم ومن ينصرني أمام اللّه لدفع انتقامه منى وقد طردت عباده المقربين ، وكلمة مَنْ في النص تدل على مجابهته للّه ، ومدافعته لإرادته ، ومن ينصرني أمامه ، ثم تختم الآية بقوله : أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ، أفلا تفكرون وتتدبرون لتعرفوا أن طردهم ليس بصواب ولا حسن العاقبة ، وأنهم إذا كانوا فقراء فأنا أيضا فقير إلى اللّه تعالى ولست أفاخر بمال ، ولذا قال تعالى حاكيا عنه :