محمد أبو زهرة

3691

زهرة التفاسير

الإضمار ، وذلك لتسجيل الظلم عليهم ، ولبيان أن هذا الظلم الذي قد بلغ أقصى حدوده هو السبب في بعدهم عن رحمة اللّه تعالى ، ويعم الحكم بالعذاب على كل من عتى عن أمر ربه وأشاع الفساد في الأرض . إنه لا يحب المفسدين . وقد ذكر اللّه أفعال أولئك الظالمين فقال تعالت كلماته : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 ) . يذكر اللّه تعالى أحوال الذين يفترون على اللّه الكذب ، وقد ذكرنا كيف كانوا يفترون ، وهذه الحال التي ذكرت هي الصد عن سبيل اللّه تعالى بإيذاء المؤمنين وفتنهم ليقولوا كلمة الكفر وهم لها كارهون ، وقد بالغوا في إعناتهم حتى مات منهم من مات تحت حر العذاب الذي ابتدعوا فيه طرائق تتنافى مع كل إنسانية بل ووحشية ، حيث كانوا يحمون الحديد ويصبونه محميا في فرج المسلمة حتى لقد اضطر بعض المسلمين أن ينطق كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان . وكان من صدهم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عندما كان يذهب داعيا في الحج القبائل كان يذهب منهم من ينفرهم من الإسلام كأبى لهب ، وأن الأوس والخزرج عندما استجابوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم كانوا يلتقون به على استخفاء منهم وفي سر لا إعلان فيه ، وهم يتبعونهم كلما علموا باجتماعهم به ، ولذا قال تعالى في وصف هذه الحال : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وسبيل اللّه هي سبيل الحق والإسلام كما قال تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . . . ( 153 ) [ الأنعام ] . يَبْغُونَها عِوَجاً أي يريدونها ملحفين في ذلك أن تكون معوجة بأن يلين معهم في عبادة الأوثان وتحريم ما أحل اللّه ويرضى بما يرضون ، أو يريدون ويبغون أن يكون أتباعه معوجين منحرفين عن الحق وأن يرتدوا عن دينهم الذي ارتضوا ، وقد أشار سبحانه إلى السبب الذي جعلهم يوغلون في الكفر ذلك الإيغال ويمعنون فيه هذا الإمعان ، فقال تعالى في حالهم التي أضلتهم : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ .