محمد أبو زهرة

3646

زهرة التفاسير

والإشارة الثانية - قوله تعالى : لِفَضْلِهِ ، فيها إظهار في موضع الإضمار ، ذلك لبيان أنه لفضل من اللّه ورحمة منه سبحانه وأنه واجب الشكر على هذه النعمة ، وجاء التعبير هنا بقوله تعالى : وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ للإشارة إلى أن الخير مراد للّه تعالى مقصود إنزاله بالشخص ، وفي التعبير إبهام ثم بيان للتوكيد قال تعالى : وَإِنْ يُرِدْكَ ثم قال سبحانه : بِخَيْرٍ فكان الأخير بيانا لإرادة اللّه تعالى بالعبد ، ثم قال تعالى : يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي يصيب بهذا الفضل من تتعلق به مشيئة اللّه من عباده . وتتعلق مشيئة اللّه بمن يسير في طريق الخير كما كتبه اللّه تعالى فيوصله إلى غايته ، والخير المذكور في الآية هو النفع والهداية والاتجاه إلى اللّه ورجاء رحمته ، ثم يختم اللّه تعالى هذه الآية بقوله : وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أي أن مغفرته تعالى وقبوله التوبة هو الخير الذي يشاؤه لعباده ، ومغفرته من رحمته ؛ لأنه سبحانه يريد لهم الخير برحمته وفضله ، والشيطان يسول لهم الشر ، فالذين مكنوا الشيطان من نفوسهم حرموا من الخير ، ومن أبعدوا وساوسه فقد اتجهوا إلى اللّه ، وكل شئ بعلمه وتقديره سبحانه ، كل شئ عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . وقد أوضح اللّه الحق وبيّنه فقال تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 108 ) . أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم وقد بشر وأنذر أن يبين لهم أن الحق قد جاءهم بدلائله وقامت أعلامه ، وقد علموا طريق الغواية وما فيه من اعوجاج ، وطريق الهداية وما فيه من استقامة ، فمن شاء سلك طريق الهداية وأصاب فيه الخير ، ومن شاء سار في طريق الضلال ، أصابه الشر ، ويكون في ضلاله عائدا بالضرر على نفسه .