محمد أبو زهرة

3643

زهرة التفاسير

وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جاء ذكر الأمر ولم يذكر الآمر سبحانه وتعالى الذي يعرفون أنه الخالق وحده ؛ لأنه حاضر في النفس دائما ؛ لأن الأمر من اللّه يكون معه أمر العقل والإدراك المستقيم ، والبرهان الصادق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فالأمر إذا جاء من اللّه الخالق الواحد الأحد جاء من العقل المدرك وجاء من الآيات البينات . وقوله تعالى : أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فيه إِنْ مصدرية ، والأمر بالكينونة بهذه الصفة يفيد أن يكون مندمجا بها في المؤمنين في جمعهم الطاهر البعيد عن الوثنية . وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 105 ) . بعد أمر الاندماج وتضافر صفوف المؤمنين ، أمر نفسي في قوله تعالى : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ . قوله تعالى : وَأَنْ أَقِمْ معطوف على قوله : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذي جاء في الآية السابقة ، وجاء بصيغة الأمر من اللّه تعالى ومن آياته البينات الدالة على وحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده ، وكلمة وَأَنْ مصدرية هي وما بعدها مصدر ، أي أمرت بالقيام للّه وحده ، وفي قوله تعالى : وَجْهَكَ إشارة إلى الاتجاه إلى اللّه تعالى بنفسه كلها لا يكون فيه شئ لغير اللّه ، فالوجه كناية عن الذات كلها ، فيكون حبه وبغضه للّه تعالى ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشئ لا يحبه إلا للّه تعالى » « 1 » . وقوله تعالى : حَنِيفاً معناه مستقيما في اتجاهه بلا انحراف ولا اعوجاج ولا ميل لباطل أبدا . ثم صرح سبحانه ببطلان الشرك وأنه منهى عنه في قوله تعالى : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فإنك إذ أمرت بأن نكون من المؤمنين فقد نهيت عن أن

--> ( 1 ) سبق تخريجه .