محمد أبو زهرة
3384
زهرة التفاسير
حتى أرى رأيي ، فلما رجعا قال لهما رسول اللّه قبل أن يخبراه : « يا ويح ثعلبة » مرتين . فلما نزلت آية الصدقات جاءه ثعلبة بالصدقة ، فردها النبي صلى اللّه عليه وسلم . وإن هذه القصة تصور كيف يكون الإنسان ، وهو في حرمانه سليم القلب ، فإذا جاءه المال أطغاه وأنساه ربه ودينه . وإن إخلاف الوعد ، أو العهد الذي عاهدوا اللّه تعالى ينشئ النفاق ، وينمى النفاق ، ويجعله يتكاثف ويزداد ، ولقد قال تعالى مبينا خلف وعدهم : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . ( الفاء ) لترتيب الإخلاف بالعهد ، لأن الحلف لا يزيد المنافق إلا خداعا ، ولا يجعله يؤدى الحق فهو يكون على عكس ما يوجبه الإيمان إذ الإيمان يوجب الوفاء ، والنفاق على عكس ذلك يوجب الإخلاف ، وقد صور اللّه تعالى إيتاءهم وإخلافهم للعهد بقوله تعالى : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ويبدو ذلك في الرواية التي رويت عن ثعلبة ابن حاطب ، كيف بخل عن الواجبات المفروضة لا عن الصدقات غير المفروضة ، وتعلل بأن الزكاة أخت الجزية ، وإنه كان عليه أن يتفضل بالخير ؛ لأن اللّه تعالى أعطاه من فضله من حيث لا يحتسب ، وكان رزق اللّه تعالى فائضا . وفي الآية الكريمة تصوير لنفس البخيل يؤتيه اللّه تعالى من فضله بعد أن وعد بأنه سيعطى ويتصدق ، ويكون من الصالحين ، ويوثق عهده بالأيمان المغلظة ، ثم ينقض بعد ذلك عهده شحا بالمال ، وقد زاده العطاء شحا ، ويصور كذلك نفس المنافق ، ولا ترتبط بعهد ، ولا تصرّ على وعد ، بل نفسه منفلتة دائما ، وعاثرة ، لا تستقر ولا يوثق لها ، وإن المنافق إذا فقد الضمير والنفس اللوامة انماعت نفسه ، فأصبح لا يؤمن بشيء ولا يربط بعهد أو وعد . وقد استنبط بعض فقهاء الزيدية من هذه الآية وجوب الوفاء بالعهد ما دام في غير معصية ، والفقهاء جميعا على ذلك ، ومصداقه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من نذر أن يطيع