محمد أبو زهرة
3385
زهرة التفاسير
اللّه فليطعه ، ومن نذر أن يعصى اللّه فلا يعصه » « 1 » والعهد للّه نذر ، وقد قال جمهور الفقهاء إن النذر واجب الوفاء إذا كان من جنس فرض من الفروض ، وإن العهد للّه الذي يعاهد أولئك المنافقون عليه عهد على طاعة ، وهي الصدقة في قوله عنهم : لَنَصَّدَّقَنَّ . وقوله تعالى : وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فيه إيماء إلى أنهم يحسون بأنهم ليسوا صالحين ، وأنهم يريدون أن يعدلوا ، ليخرجوا من الحال غير الصالحة إلى حال أخرى غير حالهم ، وهو حال النفاق . وقد زادهم العطاء نفاقا ؛ لأنهم لم يفوا بالعهد ، وكذا ما عاهدوا اللّه عليه . وصور اللّه تعالى نكثهم بقوله : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 76 ) أي أعرضوا عن اللّه تعالى بعد أن أدنوا أنفسهم منه سبحانه ، وأكد سبحانه وتعالى إعراضهم بالحال ، أي أنهم انصرفوا عن اللّه ، وصار الإعراض حالهم ، التي يعيشون في دائرتها ، فينتقلون في محيطها من إعراض عن اللّه تعالى إلى إعراض أوحل في النفاق ، ولذا قال تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ( 77 ) . فأعقبهم أي جعل اللّه عقب فعلهم هذا نفاقا إلى نفاقهم . أي فازدادوا نفاقا وأوغلوا عما كانوا ، وقال الحسن البصري إن الضمير الفاعل يعود إلى البخل ، أي أن البخل بعد العهد الذي عاهدوا اللّه تعالى عليه ، زادهم نفاقا ؛ وذلك لأن الاستمرار على المخالفة يزيد النفاق نفاقا ويتراكم بعضه على بعض حتى يتكاثف ، ويمتلئ القلب نفاقا ، حتى لا مزيد عليه ، وكأنما الأعمال الفاسدة هي الخبث الذي يسقى به نبات النفاق فيزيده ، وينميه ، حتى يستغلظ سوقه .
--> ( 1 ) رواه الترمذي : النذور والأيمان - من نذر أن يطيع الله ( 1526 ) ، والنسائي : الأيمان والنذور - النذر في الطاعة ( 3806 ) ، وأبو داود : الأيمان والنذور - ما جاء في نذر المعصية ( 3289 ) ، وابن ماجة : الكفارات - النذر في المعصية ( 2126 ) ، وأحمد : باقي مسند الأنصار - حديث السيدة عائشة رضي الله عنها ( 23555 ) .