محمد أبو زهرة
3633
زهرة التفاسير
الامتراء هو الشك بعد اليقين ، فالنهي عن الامتراء هو للاستمرار على اليقين والإيمان ، وألا يتزلزل ذلك اليقين بفعل المشركين ، وأن مؤدى ذلك القول هو تأكيد الحق وتثبيته لأتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ولتثبيت فؤاد النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم وإيمانه الراسخ كالجبال أو أشد ، فكثرة الدلائل تثبت اليقين كقول إبراهيم - عليه السلام : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . . . ( 260 ) [ البقرة ] . وقوله تعالى : لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ نص يوجب اليقين ، فالحق وحده نور يجلو اليقين قد أكده سبحانه وتعالى بكلمة « قد » وباللام قبلها ، وقال : مِنْ رَبِّكَ أي الذي خلقك ورباك ، ولذا رتب عليه النهى عن الافتراء . ( الفاء ) في قوله : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ لترتيب ما بعدها على ما قبلها والنهى موجه في ظاهرة للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهو موجه للناس عامة وأهل مكة خاصة . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 ) . لقد جاء قوله تعالى بعد النهى عن الامتراء . وهذه الجملة القرآنية معطوفة على قوله تعالى : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ والنهى كالنهى السابق مؤكد بنون التوكيد الثقيلة وهو موجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بظاهر القول وموجه للناس كافة ، ومع ذلك فيه إشارة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم سواسية في الخطاب بالحق مثلهم ، وفي قوله تعالى : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ نهى عن الامتراء ، وأن الامتراء بعد الإيمان يؤدى إلى تكذيب آيات اللّه تعالى ، ولذا نهى عنه صلى اللّه عليه وسلم بسياق القول وظاهر الخطاب ، النهى للناس أجمعين ، وجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم أسوة لهم في الخطاب كما هو أسوة لهم في الإيمان والنهى الموجه له يكون بالأولى نهى لغيره ، ذلك ليفتشوا قلوبهم ويبعدوها عن الامتراء في الحق حتى لا يؤدى ذلك إلى التكذيب بآيات اللّه . وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ في قوله تعالى نهى مؤكد لأن يكون الرسول صلى اللّه عليه وسلم في صفوف الكثرة الضالة التي خير منها القلة المؤمنة ، فلا يقاس