محمد أبو زهرة
3610
زهرة التفاسير
لقوم يسمعون الحق ويستجيبون له ويهتدون به ، وكأن اللّه تعالى ينفى السماع عمن يسمعون ولا يفقهون ، كقوله تعالى : . . . وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها . . . ( 179 ) [ الأعراف ] . ولكن في هذه الآية ذكر سبحانه السمع دون البصر ؛ لأن القرآن يتلى عليهم والآيات تقرع حسهم فلا يعتبرون ، فهم لا يسمعون دعاء القرآن لهم بعبادة اللّه تعالى وحده ولو كانوا يعتبرون بالآيات لسمعوا القرآن واعتبروا به . قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 68 ) . إذا كان كل من في الأرض ملكا للّه تعالى وعبيدا له ، فالمسيح مملوك للّه تعالى ؛ لأنه سبحانه خالقه ، ومن يستنكف أن يكون عبدا للّه تعالى ، وإذا كان الوثنيون قد اتخذوا الأحجار آلهة ، فإنه لا يقل شركا عنهم من قال إن اللّه اتخذ ولدا ؛ ذلك أن كليهما أشرك ، والوثنيون لم يمسوا الذات الإلهية وإن كانوا ضلوا ضلالا بعيدا ، أما من قالوا اتخذ اللّه ولدا فقد وافقوهم في الشرك ومسوا الذات العلية . قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً لم يبين سبحانه من قال هذا ، والنصارى ليسوا وحدهم ؛ ذلك لأن الذين قالوه كثيرون - غيرهم - قبلهم ، فالبراهمة قالوا : أن كرشنة ابن اللّه ، والبوذيون قالوا : إن بوذا ابن الإله ، وعنهم أخذت الأفلاطونية الحديثة ، وعن الأخيرة أخذت النصرانية بعد أن بدلت وحرفت عن مواضعها وكذبوا على المسيح عليه السلام . وكل هؤلاء مشركون والفرق بينهم وبين المشركين من العرب ، أن مشركي العرب عبدوا الأوثان بعد أن قالوا : إن اللّه خالق السماوات والأرض واحد في ذاته وصفاته ، وإشراكهم كان في عبادة غيره معه ، أما هؤلاء الذين ادعوا أن اللّه اتخذ ولدا فإنهم لا ينزّهون ذات اللّه تعالى ويشركون الولد كما أشرك غيرهم .