محمد أبو زهرة
3609
زهرة التفاسير
فالشركة منفية بلا ريب ، ولا حقيقة لها ، فإذا كانت غير موجودة فلا يصح أن يقولها من يعرف أن اللّه وحده هو خالق السماوات والأرض . أشار سبحانه إلى أن أوهامهم وظنونهم هي التي زينت لهم أن يجعلوا شركاء ، ولذا قال تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ، إِنَّ هنا نافية ، فهم لا يتبعون إلا الظن وليس الظن هو العلم الراجح وإنما هو الأوهام والهواجس تتوهمها عقولهم ثم تلج فيها وتستولى عليها بحكم التزيين ، حتى تكون كالظن بل حتى تكون كالعلم في عقولهم التي عششت فيها الأوهام وأيقنت بها ، فيقول سبحانه : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ، أي يتوهمون ثم يظنون ثم يعتقدون وما لهم من حجة ولا دليل ، ثم أكد سبحانه عموم خلقه فهو لم يخلق العقلاء وحدهم بل خلق الوجود كله . يقول تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 67 ) . أنعم اللّه تعالى على خلقه العقلاء بنعمتي الليل والنهار ، ليل ليسكنوا فيه ويقروا مع أهليهم وذرياتهم قرة أعينهم وليطمئنوا ، وجعل النهار مبصرا ليعملوا في الأرض يعمروها ويصلحوها ، وفي قوله تعالى : وَالنَّهارَ مُبْصِراً مجاز لأن المبصر هو الحي الذي رزق نعمة البصر ووصف به الزمان للمبالغة في وصف نوره وضياه ، وفي هذا إشارة إلى أصل خلق الكون ؛ فاختلاف الليل والنهار حال موقع الشمس من الأرض ، وذكر هذا فيه دلالة بالاقتضاء على نعمة اللّه في خلق الكون كله من السماء ببروجها والأرض برواسيها ومهادها وآكامها وطبقات معادنها وأطيارها وأسماكها وكل ما فيها من نعم ، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها . . . ( 18 ) [ النحل ] ، وأن الكون كله وما فيه من آيات تدل على أنه الواحد الأحد وأنه لا معبود سواه ؛ لأنه الإله وحده ، وأن ما يسمونه لهم عبادة ليس بعبادة إنما هي أوهام سيطرت عليهم خضعوا لها ولأهوائهم ، ولذلك قال تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ إشارة إلى الدلائل البينة الواضحة لخلق الليل والنهار