محمد أبو زهرة
3592
زهرة التفاسير
وغير ذلك من الظلم وهو ظلمات يوم القيامة ، لو ثبت أن لها ما في الأرض من معادن وزروع وحدائق وجنات ونعيم ثابت وعارض تملكه وما في الأرض جميعا لافتدت به وقدمته كله فداء ، وهذا بيان لتضاؤل الدنيا بنعيمها وما فيها إلى جانب عذاب اللّه تعالى ، وأن على كل نفس أن تتوقاه في هذه الدنيا . وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ عندما يرون هول يوم القيامة اعترتهم الندامة وأسروها لا يستطيعون إبداءها من ذهولهم بما رأوا ، وقد قال في ذلك الزمخشري قولا حسنا : أَسَرُّوا النَّدامَةَ لما رأوا العذاب ؛ لأنهم بهتوا برؤية ما لم يحسبوا ولم يخطر ببالهم ، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع سوى إسرارهم الندم والحسرة في القلوب ، كما ترى المقدم للصلب فإنه من فظاعة الخطب لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا ، وقيل أسرّ رؤساؤهم وسفلتهم ، أسروا الندامة حياء منهم ومن فعلتهم وخوفا من توبيخهم . وقيل أسروها ، أي أخلصوها إما لأن إخفاءها إخلاصها ، وإما من قولهم أسر بالشئ لخالصه ، وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت إخلاص الندامة » . وإن الآية الكريمة تشمل كل هذه المعاني مع أن أولها المتبادر ، ولكنه كلام اللّه يحمل المعاني التي ندركها وغيرها ، واللّه تعالى وحده أعلم . أَسَرُّوا النَّدامَةَ الضمير يعود على كل الظالمين الذين ظلمت نفوسهم وودوا أن يكون في ملكهم الأرض وما فيها ، والضمير بلفظ الجمع يعنى الجمع في قوله : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ . وإن اللّه يقضى بينهم بالقسط ، أي بالحق الذي يوزن فيه بميزان دقيق لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وهم لا يظلمون ، أي لا ينقصون شيئا لأنهم يحاكمون أمام الحكم العدل اللطيف الخبير . إن البعث وما بعده من حساب هو في قدرة اللّه ؛ لأنه مالك الوجود بما فيه ومن فيه .