محمد أبو زهرة

3589

زهرة التفاسير

ثُمَّ للعطف والترتيب والتراخي ، والعطف هنا يكون على الاستفهام السابق وما تضمن من توبيخ وتهكم بهم ، كما تهكموا على أوامر اللّه تعالى ونواهيه من قبل ، ودعوتهم إلى الإيمان باليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب ، والتراخي في الانتقال من مرتبة التوبيخ على الكفر إلى مرتبة العذاب العتيد الحاضر المهيأ . قوله تعالى : قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا بنى للمجهول للإشارة إلى أنه استخفاف منطقي يقال بحكم المنطق والوقوع لكفرهم ، وعبر عنهم بالموصول لِلَّذِينَ للإشارة إلى سبب العقاب وهو ظلمهم بالشرك وقصد الضلال والإفساد في الأرض وأشاعه زور القول وبهتانه ، وإفراطهم في الأخذ بالماديات التي سيطرت على أفهامهم وصاروا لا يؤمنون إلا بها . ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ فيه إضافة العذاب إلى بيان له هو أنه خالد دائم ما دامت السماوات والأرض ، وفي قوله تعالى : ذُوقُوا تشبيه للعذاب بالشئ الذي يذاق فيصيب إحساسهم ، حتى أنهم يذوقونه كما يذاق الشئ المؤلم المرير . هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ فيه أن العذاب بسبب ما كنتم تكسبون من أعمال خبيثة فيها إيذاء للناس وإفساد لعقائدهم فهو جزاء وفاق ، والجمع بين الماضي والمستقبل دليل على أنهم يكسبون الشر دائما لا ينأون عنه ولا يقصرون . والاستفهام هنا إنكاري بمعنى إنكار الوقوع ، والمعنى لا تجزون إلا ما كنتم تكسبون ، فجعل سبحانه الجزاء كأنه العمل الذي استوجبه أصلا ، وذلك مبالغة في العدالة فالجزاء والعمل متساويان .