محمد أبو زهرة

3588

زهرة التفاسير

والتوقع هو ما يريد النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يتوقعوه ويتصوروه ، وإلا فهم مكذبون مستهزءون . و ثُمَّ متأخرة والتقديم للاستفهام ؛ لأن له الصدارة وتقدير القول أنه إذا ما وقع ورأيتموه رأى العين في الآخرة آمنتم به وصدقتموه ، وقد قضى زمن التكليف وانتهت دار الابتلاء وجاءت دار الجزاء ، إنه إيمان لا ينفع . ثم أردف سبحانه ذلك بتوبيخهم على تأخرهم في الإيمان واستعجالهم العذاب فقال سبحانه : آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ أي تؤمنون به في هذا الوقت المتأخر وقد كنتم مكذبين وتستعجلون متحدين أو متهكمين أو ساخرين ، فالاستفهام إنكاري توبيخى ، والتوبيخ من نواح ثلاث : أولاها - من ناحية إنكارهم البعث . ثانيتهما - من ناحية تهكمهم على من ينذرهم . ثالثتها - أنهم لا يؤمنون إلا في الوقت الذي لا ينفع النفس إيمانها . وقوله تعالى : وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يقول كثير من المفسرين التابعين للزمخشري : تَسْتَعْجِلُونَ معناها تكذبون ، وإني أقول أنهم كانوا مكذبين حقيقة ولكن كانوا يستعجلون فعلا ولو بظاهر القول ، ويكون ذكر الاستعجال تهكما بهم وتوبيخا لهم في قوله تعالى : وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ جمع بين الماضي والحاضر ، وهو دليل على استمرار استعجالهم التهكمى وتكذيبهم باليوم الآخر ووعد اللّه تعالى بالجزاء . هذه حال المكذبين وإيمانهم بعدم وقوع العذاب وإنكارهم لتوقعه ثم إيمانهم به بعد أن يروه ، ثم يبين سبحانه وقوع العذاب وتمكنه منهم فيقول تعالى : ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 52 ) .