محمد أبو زهرة
3533
زهرة التفاسير
إذا جاء غيره لن يكفروا به أيضا ، وإن هؤلاء المشركين حسبوا أن محمدا هو الذي أتى بهذا القرآن أو ادعوا ذلك ، مع أن بلغاؤهم المتمرسين بالبيان قالوا : إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ما يقول هذا بشر ، ومع هذا طالبوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يأتي بغيره أو يبدّله ، فإن جاء لامته الحجة بأنه ليس من عند اللّه بل هو من عنده ، وقولهم : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ففي التغيير تسليم بأن المعجزة تكون قرآنا ولكن يريدون غيره ، أما التبديل فهو يكون بإتيان معجزة عدا القرآن كعصا موسى ، أو إبراء الأكمه والأبرص أو إحياء الموتى بإذن اللّه لعيسى أو غير ذلك من المعجزات الحسية . . وقد طلبوها كما قال تعالى : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ( 93 ) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) [ الإسراء ] . هذا فيما نحسب هو التبديل الذي أرادوه بأن يستبدل المعجزة القرآنية بمعجزة حسية مادية لأنهم لا يؤمنون ، ولقد رد عليهم النبي يقول اللّه تعالى : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وهذا الرد كان على التبديل ؛ ولذلك نقول : أن الجواب أحد أمرين : الأمر الأول - أن يكون إغفالا لطلب الإتيان بقرآن غير هذا باعتباره كلاما عابثا ؛ إذ ما داموا قد سلموا بالمعجزة القرآنية ، فلا فرق بين قرآن وقرآن ، ما داموا قد عجزوا عن الإتيان بمثله . ثاني الأمرين - الذي يحتمل أن يكون فيه الجواب ، أن التبديل للمعجزة يشمل تغيير القرآن والإتيان بمعجزة أخرى فكان الرد على التبديل شاملا