محمد أبو زهرة
3534
زهرة التفاسير
الاعتراضين ، وفي رد النبي صلى اللّه عليه وسلم : ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي أي ليس لي أن أختار المعجزة من تلقاء نفسي إنما الاختيار للّه سبحانه وتعالى ؛ ولذا قصر عمل الرسالة على اتباع ما يوحى اللّه به فقال لما أمره ربه : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ( إن ) نافية أي : لا أتبع إلا ما يوحى إلىّ ، وما يجئ من ربى فهذه المعجزة قدرها سبحانه لا أخالفه ولا أعصيه ، ليس لي ولا لأحد أن يعترض عليها ما دامت مثبتة للرسالة وما داموا عاجزين عن الإتيان بمثلها ، وإن في ذلك العصيان وعاقبته ، وبهذا قال صلى اللّه عليه وسلم كأمر ربه : إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وفي هذا إنذار لعصيانهم واعتراضهم . قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) وفي هذا تأكيد أنه من عند اللّه تعالى ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يبدله من تلقاء نفسه وإنما الذي يبدله هو اللّه تعالى كقوله : قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ مفعول المشيئة محذوف دل عليه ما بعده - أي لو شاء اللّه تعالى ألا أتلوه ما تلوته ، وذكر قوله تعالى : عَلَيْكُمْ للإشارة إلى أنهم المقصودون بالتلاوة ليدركوا مغزاها وما فيها من إعجاز وتكليف ، ثم قال تعالى : وَلا أَدْراكُمْ أدراكم أفعل من ( درى ) بمعنى علم ، أي : ولا أعلمكم به ، ولكنه اختار تلك الحجة لكم لبلاغة كلامها الذي يبقى مسجلا تتلقاه الأجيال جيلا بعد جيل إلى يوم الدين ، فالمعجزات الحسية واقعات تنته بانتهاء زمانها ، أما هذا الكتاب فباق إلى يوم القيامة ؛ لأنه معجزة خاتم النبيين صلى اللّه عليه وسلم الذي يقول : « ما من نبي إلا أوتى ما مثله آمن عليه البشر وإن ما أوتيته وحيا أوحى إلىّ وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » « 1 » . وَلا أَدْراكُمْ قرأه ابن كثير بلام التوكيد وليس بلا النافية ، فيكون المعنى ولو شاء لأعلمكم به وجعلكم تؤمنون بصدقه ، والواو عاطفة على نية تكرار الفاعل .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .